مفهوم «الحداثة» والاشتباك الفلسفي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يعتبر الدكتور عبد السلام بنعبد العالي من أبرز الأسماء الفلسفية العربية التي لا تزال في حالة عطاء مستمر ومختلف. ويدل على هذا أنه تقريباً يقوم، وفي كل سنة دون انقطاع، بتأليف كتاب على الأقل. وفي نظري، فإن مؤلفات بنعبد العالي تدور على مستويات عدة، فهو كاتب منتظم في عدد من المجلات التي ينشر فيها مقالات فلسفية، يحلل فيها بعض المفاهيم المستغلقة.
 كما قدم ويقدم دراساتٍ متخصصة في الفلسفة بصفة عامة، وفي الفلسفة الحديثة بصفة خاصة، وقد قام أيضاً بترجماتٍ هامة، وجمع مع زميله الدكتور محمد سبيلا «دفاتر فلسفية». وهذا فضلاً عن قيامه بمشاريع أخرى فلسفية بحتة.
لقد طرح بنعبد العالي دراساتٍ مهمةً عن الفلسفة المعاصرة، لعل من أبرزها كتابه «هيدغر ضد هيغل»، وهو كتاب يعرض فيه إلى الأسس التي يقوم عليها الفكر المعاصر، وذلك من خلال عرض نقائضي لنصوص لهيدغر ونصوص هيغل، عبر إجراء عرض لأبعاد الاختلاف الذي تجسده الفلسفة الحديثة، مبيناً الاختلافات الأساسية بين هيدغر وهيغل، على مفاهيم كالتراث والكتابة، والزمان، والتاريخ والاختلاف والهوية.
أما حول الحداثة ومفهومها، فقد كتب بنعبد العالي الكثيرَ، وآخر ما قرأتُ له في هذا المجال، وقبل أيام فقط، مقالة في مجلة «المجلة» بعنوان: «في الحداثة»، يقول فيها: «ما يهمنا هنا بالضبط هو هذه الخلفيات الفكرية، وهذه الروح الفلسفية التي تحدد الحداثةَ بما هي كذلك. وفي هذا الصدد ربما علينا أن نميز بين موقفين متعارضين: موقف بارد واصف ينشغل بتعيين الأحقاب، وتحديد الملامح، وحصر السمات، وموقفٌ مضادٌ ينظر إلى الحداثة في كونها استراتيجية تعتبر أن وضع الحداثة قد وجد نفسه، ولا بد أن يجد نفسه، خصوصاً عندما ينقل إلينا، في مواجهة مواقف مضادة. لا يتعلق الأمر هنا بالمقابلة بين البنية والتاريخ بقدر ما يتعلق بالتقابل بين الهدنة والتوتر».
 نعم، في التجربة العربية سبقنا المغاربة لدراسة إشكالات الحداثة. وأضرب هنا مثلاً بعموم كتب محمد سبيلا حول الحداثة، وهي عديدة، إضافة إلى كتابين مهمين، أولهما «القانون بين القبيلة والأمة والدولة» لعالم الاجتماع المغربي نجيب بودربالة، الأكاديمي المرموق والذي هو أحد المساهمين في إرساء اللبنات الأولى لسوسيولوجية القانون خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. وهو مع كريكوري لازايف وبول باسكون من رواد البحث في البنيات العقارية. وقد ناقش في كتابه علاقات المجتمع المغربي بأشكال التحديث على مستويات العقد الاجتماعي (السياسي) والقانون الزراعي، وأنظمة السقي، والقانون والمجتمع والشريعة في المغرب.
أما الكتاب الثاني، فهو «المغرب.. الإسلام والحداثة» لمؤلفه عبد السلام حيمر، وهو عبارة عن دراسات ضمن مجالاتٍ متنوعة، وذات بعد تطبيقي؛ لذا فقد اكتسبت أهميتَها أكثر من الطرح النظري الذي امتاز به فلاسفة المغرب حول العلاقة المجردة بين الإنسان والحداثة، أو تجارب الحداثات العربية.
 والخلاصة، أن النقاش حول مفهوم الحداثة أساسي، وبخاصةٍ مع ضمور تأثير نمط «ما بعد الحداثة»، وهذا الذي يجعل ما يكتبه عبد السلام بنعبد العالي له قيمة وأثر على الطلبة والباحثين بغية تغذية المفهوم وتجديد تعريفه باستمرار.


*كاتب سعودي



إقرأ المزيد