جريدة الإتحاد - 5/14/2026 8:53:27 PM - GMT (+4 )
لا يُقاس تماسك حياة الإنسان بما يملكه من أدوات، بل بقدر وضوح الاتجاه الذي يسير فيه. قد تتوافر الوسائل وتُفتح الأبواب، ومع ذلك يظل الشعور بالفراغ قائماً إذا غابت الغاية التي تربط الأفعالَ ببعضها البعض. وفي المقابل، قد يضيق المجال، لكن وضوح المقصد يمنح الحركةَ معنى، ويحوّل الجهدَ إلى بناء متدرّج لا إلى استهلاك عابر. والمعنى هنا ليس فكرةً عامةً تُقال، بل معيار يُرتّب الخيارات. مَن يحدّد ما الذي يستحق التقديم وما الذي يمكن تأجيله، يمتلك قدرةً أعلى على إدارة حياته، مهما تغيّرت الظروف وتبدلت السياقات.
ومَن يفقر إلى هذا المعيار، فإنه يظلّ رهينَ ما يفرضه الخارج من إيقاع وتوقّعات وتغيرات. ولهذا، فلا تنشأ الطمأنينة من كثرة ما نملك، بل من انسجام ما نفعله مع ما نراه حقّاً وما نريده فعلاً. غير أنّ ذلك الانسجام لا يأتي مصادفةً أو مِن تلقاء نفسه. كل اختيار جاد يقتضي كلفةً، وكل تمسّك بقيمة يعني التخلّي عن بدائل أخرى أدنى أهميةً وأقل مردوديةً. وفي هذه النقطة، يتبيّن معدن الإنسان، لا فيما يعلنه ويجأر به، بل فيما يقدّمه حين تتزاحم المصالح وتتفرق السبل. إن التنازل عن مكسب مرئي وقريب لصالح هدف أبعد وأثمن ليس خسارة بالمطلق، بل تعبير عن ترتيب مسؤولٍ وواعٍ للأولويات.
ومن دون هذا الترتيب، تتحوّل القرارات إلى نوع من ردود فعل، لا إلى مسارٍ مقصود ومخطط له. وفي التجربة اليومية، تظهر الفروقُ بوضوح. مَن ينظر إلى العمل بوصفه واجباً مفروضاً، يستهلك طاقتَه سريعاً، ولذا تجده على الدوام في حالة بحث عن عن مخرج. ومن يرى العملَ جزءاً مِن مشروع أوسع، يجد فيه مجالاً للتقدّم، حتى حين تكثر التحديات. ومع النضج وتراكم التجارب، يتكوّن نوعٌ مِن الفهم العملي الذي لا يمكن اختزاله في معرفة نظرية مجردة.
وبفضل هذا الفهم يصبح الإنسانُ أقدرَ على تقدير المواقف وتوقع النتائج، وعلى الموازنة بين ما ينبغي فعله الآن وما يمكن تأجيله إلى وقت لاحق. إن هذه القدرة على الفهم لا تولد من النجاح وحده، بل تتأتى أيضاً مِن القدرة على قراءة ما مرّ خلال المراحل السابقة، واستخلاص دلالته. وعندها، لا تعود الأخطاء عائقاً، بل تتحوّل إلى مادة ثمينة للتعلّم واكتساب المعرفة والفهم. إنّ الحديث عن السعادة خارج هذا الإطار يظلّ ناقصاً.
فالسعادة ليست هدفاً يُطارد مباشرة، بل نتيجة لانسجامٍ يتشكّل بين القناعة والفعل.
وحين تتوافق الخيارات مع المعيار الداخلي، يخفّ التردّد، ويثبُت المسار. وعندما يختلّ هذا التوافق، تتكاثر البدائل، ويزداد الاضطراب، وتضيع البوصلة. المجتمعات التي تعي هذه المعادلة تضع بناءَ الإنسان في مقدّمة أولوياتها، تعلّمه كيف يختار، قبل أن تعلّمه كيف ينجح. وبهذا المعنى، لا يحتاج الإنسانُ إلى كثرة الشعارات، بل إلى بوصلة تضبط حركته. فإذا استقامت البوصلة، استقامت الخطوات، مهما تفرقت الطرق واختلفت اتجاهاتها.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


