الخليج واختبار الردع القادم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في أوقات الحروب، لا تُختبر فقط قوة الجيوش، بل تُختبر أيضاً إرادة الدول وحدود صبرها وقدرتها على صناعة الردع. وما تشهده المنطقة اليوم لا يبدو مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين إيران وخصومها، بل مشهد أوسع يعيد تشكيل موازين القوة في الخليج والشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول شكل المرحلة المقبلة بعد انتهاء هذه الحرب.
فمن الواضح أن إيران، رغم الضغوط العسكرية والسياسية التي تواجهها، ما زالت تتعامل مع محيطها الخليجي بعقلية اختبار الردود وقياس حدود المواقف، وكأنها ترسم منذ الآن ملامح مرحلة ما بعد الحرب، لا ملامح الحرب نفسها.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بل في الطريقة التي تُقرأ بها ردود الفعل الخليجية. ففي عالم السياسة والأمن، لا تُقاس الرسائل بالنوايا بل بالسلوك العملي. وعندما تكتفي الدول بالشجب والإدانة دون بناء معادلة ردع واضحة، فإن ذلك قد يُفسر على أنه ضعف في الجاهزية أو غياب للإرادة السياسية، وهو ما يشجع الخصم على مواصلة الضغط ورفع سقف التهديد.

ومن هنا برز الموقف الإماراتي بصورة مختلفة، لأنه قدّم رسالة واضحة بأن أمن الدولة وسيادتها ليسا مجالاً للاختبار. فالردع يبدأ بإظهار التماسك والثقة والاستعداد، وليس فقط بامتلاك السلاح. والدول التي تُظهر قدرتها على حماية أمنها تُجبر خصومها على إعادة الحسابات، بينما التردد يفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز السياسي والعسكري.
لكن في المقابل، من الخطأ تضخيم القوة الإيرانية وكأنها قوة لا تُهزم. فالحرب الحالية كشفت بوضوح حدود العقيدة العسكرية الإيرانية، القائمة أساساً على الصواريخ الباليستية والمسيّرات والحرب غير المباشرة، في ظل ضعف واضح في سلاحها الجوي مقارنة بما تمتلكه دول الخليج من قدرات جوية وتقنية متقدمة.

كما كشفت المواجهات أن أسلوب إيران بات معروفاً، فهي تعتمد على الإغراق الصاروخي، والحرب النفسية، والأذرع والوكلاء أكثر من اعتمادها على المواجهة التقليدية المباشرة. وهذه التهديدات، رغم خطورتها، ليست مستحيلة المواجهة إذا توفّرت الإرادة السياسية والرؤية العسكرية المشتركة.
ودول الخليج تمتلك من الإمكانات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية ما يسمح لها ببناء منظومة ردع إقليمية قوية، سواء عبر تطوير الصناعات العسكرية، أو تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، أو الاستثمار في المسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العسكري. كما أن التفوق الجوي الخليجي يمثل عنصر قوة حاسماً إذا تم توحيد الجهود والتكامل العملياتي.
كما أثبتت التطورات الأخيرة أن سياسة استرضاء التهديدات أو شراء الهدوء عبر التفاهمات المؤقتة لا تضمن الأمن والاستقرار، لأن المشاريع التوسعية لا تتوقف عند حدود الاتفاقات السياسية، بل تتحرك وفق حسابات النفوذ وموازين القوة. والمفارقة أن بعض الدول التي سعت إلى التهدئة مع طهران لم تسلم أيضاً من الضغوط والتهديدات، ما يؤكد أن غياب الردع يشجع على التمادي.
ولعل دروس التاريخ تؤكد أن الخطر لا يكمن فقط في قوة الخصم، بل في الغفلة الاستراتيجية. فحرب 1967 تبقى مثالاً على كيف يمكن لدول تمتلك إمكانات كبيرة أن تتعرض لانتكاسة قاسية عندما يغيب التنسيق والجاهزية وسرعة القرار.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من الخليج والعالم العربي الانتقال من سياسة رد الفعل إلى بناء استراتيجية ردع حقيقية، لأن الأمن لا يُمنح مجاناً، بل يُبنى بالإرادة، ووحدة الصف، والقدرة على حماية الأوطان وصناعة التوازن.

*لواء ركن طيار متقاعد 



إقرأ المزيد