جريدة الإتحاد - 6/22/2026 11:10:35 AM - GMT (+4 )
الظواهر الكبرى والمهمة والمؤثرة على مسار التاريخ وحراك المجتمعات لا يمكن تناول كل أطرافها عبر مقالاتٍ مجزأةٍ، بل عبر كتاباتٍ طويلةٍ، ولكن هذا لا يمنع من تناولها على طريقةٍ، يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
تسمية دول الخليج العربية بغير مسمياتها كدولٍ حديثةٍ والاكتفاء باسم «الجزيرة العربية» هو نهجٌ يساريٌ ورثته حركات الإسلام السياسي، ولكن في الطريق كان خطاب القومية العربية.
كتب «الإخواني» المعروف محمد الغزالي كتاباً أسماه «الإسلام في وجه الزحف الأحمر» ونشره في مطلع الستينيات، وكتب «الإخواني» مصطفى السباعي كتابه «اشتراكية الإسلام» نهاية الخمسينيات وطبعة ثانية بداية الستينيات، وكان التناقض «الإخواني» في هذه المسألة المهمة مرشداً لما جرى بعدها في التاريخ العربي والإسلامي.
ومن هنا بدأت تخرج قصة «اليسار الإسلامي» أو ما سمي في ما بعد «الإسلاميون التقدميون»، وقد كتب الأستاذ الدكتور الراحل حسن حنفي قائلاً: «يتأصل اليسار الإسلامي في الجوانب الثورية في تراثنا القديم»، وهو مجّد الثورة الإسلامية في إيران بوصفها تجلياً لهذا التيار الجديد.
بينما حاول حسن حنفي الذي عرف بتناقضات مواقفه وآرائه تسويق فكرة «اليسار الإسلامي»، فقد كان مصطفى محمود ضد هذه الفكرة في عدد من مؤلفاته، ومنها كتابه «أكذوبة اليسار الإسلامي» والذي وضع فيه فصلاً معبراً بعنوان «لا هم تقدميون ولا علميون ولا موضوعيون» لإيضاح التناقضات الكبرى في هذه الفكرة الجديدة المخترعة، ولكن هذه الفكرة كانت بالغة الخطورة وتأثيراتها متعددة ومتشعبة إن في المفاهيم وإن في بناء الخطاب والأيديولوجية وإن في تكوين التنظيمات والأحزاب، وقد كتب مصطفى محمود قائلاً: «إن حقيقة الشيوعية ليست علماً ولا فكراً، وإنما طبع وحقد دفينٌ وثأرٌ كيمنٌ يبحث عن مبرراتٍ ولغةٍ يظهر بها»، ويضيف «ولهذا تلجأ الشيوعية دائماً إلى الأساليب التحتية والتآمر والتدبير في الخفاء»، وهو عين ما ذكره طه حسين عن جماعة «الإخوان» من «الغدر».
على هذا الأساس وغيره معه بُنيت كل «جماعات الإسلام السياسي»، ولهذا تجدهم سودوا الكتب والصحائف ونشروا الكاسيتات والبودكاستات لتمجيد حركات «الفتنة» في التاريخ الإسلامي بوصفها حركاتٍ تحررية، وسعوا جهدهم لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد بما يخدم هذه الحركات في الحاضر، ويعزز من وجودها في المستقبل.
قادت «الصحوة» المواجهة المعاصرة ضد العلوم الغربية من مجرد التحذير من «الغزو الفكري» إلى محاولة أوسع وأشمل حملت عنوان «إسلامية المعرفة» أو «أسلمة العلوم»، وقد جرى مثل هذا من قبل لدى الأمم الشرقية في الصين واليابان والهند، فهي تعرفت على الحضارة الغربية عبر «الاستعمار» و«العلوم»، وسعت تلك الأمم لـ «تبويذ المعرفة» أو جعلها معرفةً «هندوسيةً»، ولكنها لم تلبث أن خفتت ولم يبق منها غير العلم والمعرفة بوصفهما معطى إنسانياً تتم الاستفادة منه وتطويره كلٌ في مجاله وتخصصه دون التعلّق بمهمة مستحيلة تستنزف الجهود لعقودٍ من الزمن، قل مثل هذا في «مركسة المعرفة» ذات البعد اليساري المعروف.
العلم والتوثيق والتحليل لا تغني عن الوعي، فقد يعرف كثيرون معلومةً ويتأكدون أنها موثقةً، ولكنهم يفشلون في تحليلها ولا يعون خطرها ومآلاتها وبالتالي فهي لا تثير لديهم خوفاً ولا تشعل فيهم جزعاً ولا تدفعهم لمساءلةٍ وبحثٍ وتقصٍ.
أخيراً، فإن «الصحوة الإسلامية» ظاهرةٌ بالغة الخطورة سابقاً وحاضراً ومستقبلاً.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


