البعد العقائدي وراء إخفاء مجتبى خامنئي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عقب وفاة علي خامنئي، التي زعزعت البنية الأساسية للنظام الإيراني، جاء التعيين الفوري لنجله مجتبى خامنئي من قبل مجلس خبراء القيادة. إلا أن مجتبى، منذ توليه المنصب، ظل غائباً تماماً عن الأنظار. وباستثناء مقاطع فيديو قصيرة وغير موثقة وغير مؤرخة بثّها الإعلام الرسمي، إلى جانب تطمينات رسمية مبهمة، لم يوجّه المرشد الأعلى خطاباً مباشراً على الهواء، ولم يشارك في تجمع جماهيري، ولم يظهر شخصياً أمام شعبه.
لكن اختزال غياب مجتبى الجسدي في مجرد إخفاق أمني تكتيكي يغفل ظاهرة أعمق بكثير. فسواء كان ذلك مخططاً له أم نتيجة ارتجال فرضته الظروف، فإن النظام الإيراني يخوض تجربة أيديولوجية بالغة الجرأة. فهو يوظف أعمق الرموز الروحية وأكثرها تأثيراً في عقيدة آخر الزمان لدى الشيعة الاثني عشرية، ليحوّل نقطة الضعف هذه إلى مصدر قوة دينية وسياسية. ومن خلال إدارة شؤون الحكم عبر أوامر مكتوبة، وقرارات تصدر من خلف الكواليس، ووسطاء يعملون في سرية، تستند طهران بصورة متزايدة إلى مفهوم «الغيبة» لإعادة صياغة صورتها أمام جمهورها المستهدف في مختلف أنحاء العالم الشيعي.
ولفهم صدى القائد غير المرئي في إيران والعراق ولبنان، وفي أوساط الشيعة المنتشرين في أنحاء العالم، لا بد من العودة إلى عام 874 ميلادية. فبحسب المعتقد الشيعي، وبعد وفاة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، دخل نجله محمد المهدي في مرحلة «الغيبة الصغرى». وعلى مدى نحو سبعة عقود، ظل الإمام الثاني عشر محتجباً عن الأنظار لحمايته من الاضطهاد. وكان يدير شؤون أتباعه حصراً عبر أربعة نواب معيّنين، عُرفوا باسم «السفراء»، كانوا ينقلون الرسائل المكتوبة بخط اليد، ويجمعون الحقوق الشرعية، وينقلون التوجيهات الدينية.
والتشابه الذي يجري بناؤه بهدوء حول مجتبى خامنئي واضح ولا تخطئه العين.
في العقيدة الشيعية الاثني عشرية، لا يُنظر إلى احتجاب القائد عن الأنظار على أنه علامة على الفشل أو الجبن أو فقدان السيطرة. بل يُنظر إليه كوسيلة معروفة ومقدسة للحفاظ على العهد الإلهي في مواجهة قوى الاستبداد. ومن خلال بقائه مختفياً، تتعزز صورته بوصفه قائداً بعيداً عن مواطن الضعف والمخاطر التي قد تترتب على ظهوره ومواجهته المباشرة للواقع السياسي.
وكما يُعتقد أن الإمام الثاني عشر حكم عبر نوابه الأربعة، فإن قيادة مجتبى من خلف الستار ترفع كبار قادة الحرس الثوري الإيراني ومبعوثين دينيين مختارين إلى ما يشبه «السفراء» في العصر الحديث. وتكتسب التوجيهات التي تصل عبر رسل أو في بيانات مكتوبة مقتضبة سلطة أكبر، وتكاد تكتسب طابعاً مقدساً.
وبالنسبة إلى الموالين المتشددين، فإن بقاء مجتبى على قيد الحياة بعد الضربات الموجّهة، مع استمرار عدم ظهوره، يرفعه من مجرد وريث سياسي مثير للجدل إلى شخصية تبدو محاطة بحماية أخروية. ويبعث اختفاؤه، بصورة ضمنية، برسالة مفادها أنه يعمل على مستوى عملياتي وروحي أعلى من مستوى خصومه.
ويمثل هذا الانكفاء الاستراتيجي إلى الظل خروجاً جذرياً عن النظرية التي قام عليها النظام الإيراني. فعندما صاغ الخميني نظرية «ولاية الفقيه» في سبعينيات القرن الماضي، كانت إحدى ركائزها الأساسية رفض الانتظار خلال غيبة المهدي. فقد رأى الخميني أن الشيعة لا يستطيعون الاكتفاء بالصمت والانتظار، بل يحتاجون إلى فقيه ظاهر وفاعل، يؤم صلاة الجمعة، ويدير الدولة، ويقود القوات المسلحة في وضح النهار.

ويؤدي غياب مجتبى الممتد، عملياً، إلى قلب نظرية الخميني رأساً على عقب. فوفقاً للمعيار الخميني التقليدي، كان يُتوقع من المرشد الأعلى أن يكون حاضراً وعلنياً، وأن يلقي بصورة منتظمة خطب الجمعة، لترسيخ شرعيته في الفقه وفي ممارسة السلطة العامة. أما في ظل ما يمكن تسميته بـ «الولاية الظلية»، فيظل المرشد الأعلى غائباً تماماً عن الأنظار، ويتواصل عبر مراسيم وقرارات موثقة، ويستند في شرعيته إلى الضرورات الأمنية والغموض والرمزية الأخروية. وفي حين تصوّر الخميني الفقيه بوصفه رأس الدولة المسؤول والخاضع للمساءلة، يحوّل نموذج الظل المرشد الأعلى إلى رمز بعيد عن متناول الجمهور، بينما يتولى الحرس الثوري تنفيذ المهام المرئية للدولة.
ومن خلال السماح للمرشد الأعلى بالابتعاد إلى مستوى غير مرئي وباطني، يسد النظام فجوة المؤهلات الكبيرة التي رافقت صعود مجتبى. فلم يمتلك مجتبى يوماً ذلك العمق الواسع في العلوم الدينية أو الحضور الخطابي المؤثر أمام الجمهور الذي امتلكه أسلافه. ففي وضح النهار، كان سيبدو رجلَ عمليات سياسية صعد بفضل نسبه العائلي، أما في ظل الاحتجاب، فيتحول إلى حارس أسطوري تختفي محدوديته الجسدية خلف ستار من سرية الدولة.
لماذا تقبل طهران بالضغط الداخلي الهائل الناجم عن وجود قائد غير مرئي؟ لأن جمهور النظام المستهدف يتجاوز بكثير منتقديه في طهران، فهو موجّه مباشرة إلى القلب الأيديولوجي لـ «محور المقاومة» العالمي وإلى المجتمعات الشيعية التقليدية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وفي حين يرى العلمانيون في المدن الإيرانية أن غيابه علامة على الضعف والانهيار السياسي، فإن النواة الأيديولوجية تفسره من خلال الرموز الشيعية للصبر والحماية الإلهية.
ومع أن مفهوم «الغيبة» يوفر للنظام غطاءً قوياً على المدى القصير، فإن تطبيق إطار أخروي قديم على دولة حديثة في القرن الحادي والعشرين يخلق تناقضات بنيوية عميقة.
أولاً، فإن الحدود العقائدية في الإسلام الشيعي تخضع لضوابط صارمة. وقد دأبت الحوزتان الكبيرتان في قم والنجف تاريخياً على إدانة أي شخصية سياسية تحاول تقليد الإمام الثاني عشر بصورة مباشرة أو الادعاء بامتلاك صفات إلهية مرتبطة به. وإذا بالغت طهران في الإيحاءات المهدوية المرتبطة بغياب مجتبى، فإنها تخاطر بإثارة رد فعل قوي من كبار آيات الله الذين ينظرون إلى مثل هذا الخطاب باعتباره غلواً سياسياً.
ثانياً، لا يمكن إدارة دولة حديثة بالغموض الديني وحده. ومع استمرار غياب مجتبى، يملأ الحرس الثوري الإيراني الفراغ بصورة طبيعية. وكلما طال أمد القيادة من الظل، أصبح من الواضح بصورة أكبر أن المؤسسة الدينية للمرشد الأعلى تحولت إلى مجرد واجهة رمزية تمنح الغطاء لسلطة عسكرية فعلية.
في نهاية المطاف، يحاول النظام خوض مغامرة عالية المخاطر: استخدام واحد من أكثر المعتقدات قداسة في التاريخ الشيعي لكسب الوقت، وإظهار مناعة النظام، والحفاظ على تماسك طليعته الأيديولوجية في مرحلة من التهديد الوجودي. وعلى مجتبى خامنئي أن يدرك أنه ليس المهدي، وأنه لا يستطيع البقاء في الظل إلى الأبد.

*مستشار برلماني



إقرأ المزيد