لماذا يخشى المتطرفون الفلسفة؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من مفارقات الثقافة العربية أن الفلسفة التي أسهمت في بناء حضارتها، وأغنت علومها، ووسعت أفقها الإنساني في أزمنة النهوض والتقدم، صارت بعد ذلك موضع ريبة واتهام. جرى تصوير الفيلسوف خصماً للدين، وجُعل السؤال الفلسفي مرادفاً للشك المفسد للعقيدة، وربط بعض الوعاظ والفقهاء دراسة الفلسفة بالزندقة والإلحاد والإضرار بالعقل. واستقرت هذه الصورة في الوعي العام، حتى أصبح دارس الفلسفة واقعاً في دائرة الشبهة الدينية، مطالباً بإثبات إيمانه وصدق اعتقاده.
في تاريخنا أصابت هذه المحنة أعلاماً كباراً، وفي مقدمتهم ابن رشد الذي أقام مشروعه على التوفيق بين الحكمة والشريعة، ورأى أن النظر العقلي من أسمى الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله، لأن العقل شاهد على عناية الله بالإنسان وتكريمه. وقرر أن النظر في الموجودات يقود إلى معرفة صانعها، وأن الشريعة نفسها دعت إلى الاعتبار والتفكر. ومع ذلك أُحرقت كتبه، وضُيّق عليه، وتحول اسمه في بعض الخطابات إلى عنوان للخروج على الدين، بينما وجد علماء أوروبا في شروحه لأرسطو أحد المداخل الكبرى إلى نهضتهم العقلية والفكرية.
وتجددت محنة الفلسفة في العصر الحديث على أيدي جماعات رفعت راية الصحوة، وقد زعمت لنفسها تملك ميراث السلف، ثم جعلت التحريم سوراً على العقل، فضاقت بالفلسفة لأنها توقظ السؤال، وتشيطن المنطق لأنه يطلب الدليل، وقدمت فهمها الخاص للنص في صورة الحقيقة النهائية، وأحاطت مقولاتها بسلطة المقدس. حتى أصبح الاعتراض على مدعاها اعتراضاً على الدين!
ولقد دفع العالم العربي ثمن تهميش الفلسفة في التعليم والحياة العامة، وسيطرة الخطاب الوعظي، وتراجع العلوم الإنسانية، وسيطرة المناهج القائمة على الحفظ والتلقين. وفي هذه البيئة نمت خطابات التشدد، وانتشرت ثنائيات الإيمان والكفر، والولاء والبراء، وظهرت مفاهيم الفرقة الناجية والحاكمية والمجتمع الجاهلي. وأصبح العقل أسيراً للاستقطاب داخل التيارات المتشددة، وهو عقلٌ لا جدوى منه إلا أن يكون حبيساً لأفكار ظلامية.
وبالنظر إلى ما حل بعالمنا العربي من جمود وانغلاق وتشنج فكري، فإن عودة الفلسفة أصبحت ضرورة حتمية، فالفلسفة صمام أمان للعقل، ونهج لتفكيك بنية التشدد، وهدم أسطورة التطرف، إذ تمنح الإنسان مراناً ذهنياً ينمي التفكير النقدي والتمحيص العقلاني، ويعمّق قدرته على التحليل وفهم العالم في تعدده وتعقيده، وهي تبني في الإنسان مناعة فكرية في مواجهة التلقين وحروب الأفكار ومحاولات السيطرة على الوعي، وتحرره من التفكير الثنائي الذي يقسّم العالم إلى «نحن وهم» و«حق وباطل» وبفضل هذا الفهم العميق، يتعلَّم الإنسان فصل الفكرة عن هوية قائلها، ووزن الآراء بميزان الدليل والمنطق والبرهان والمعقولية، بدل الارتهان للانفعال والتحيز والانتماء الأيديولوجي، ثم إن الفلسفة ترتقي بالاختلاف من سبب للصراع إلى مجال للفهم والاحترام، وترسّخ ثقافة الحوار والاعتراف بالتعددية، وحق الإنسان في التفكير والنظر.
الخوف من الفلسفة هو خوف من العقل القادر على التمييز بين الدين والفكر الديني، وبين الإيمان والاجتهاد البشري، وبين المقدس وما تراكم حوله من آراء بشرية، فالفكر الديني حصيلة بشرية تكوّنت عبر الفهم والتأويل والتفسير، وتأثرت بمعارف عصرها وثقافتها وصراعاته، وتلبيس هذا الفكر لبوس القداسة يُحول الرأي التاريخي إلى عقيدة ثابتة، والتفسير المتغير إلى حقيقة نهائية، وأصحابه إلى أوصياء على الدين والعقل، والفكر الفلسفي يرفض هذه الوصاية، لأنه يفرق بين الدين وفهم الدين، وبين النص وتفسيره. أما جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات العقائدية، فإن أتباعهم لا يملكون من عقولهم شيئاً، فعقولهم تحت وصاية المرشد، هو الذي يفكر عنهم ضمن نطاق أدلجتهم وحدود أفكارهم، لذلك يمثّل النظر الفلسفي أكبر أعدائهم، لأنه يفضح أفكارهم ويكشف تهافت حججهم، ويحرر أتباعهم من سطوة التنظيم والمرشد.
إن إعادة المنطق والتعليم تاريخاً وموضوعات إلى التعليم استثمار في أمن المجتمعات وتفكير أبنائها وتشجيع التفكير النقدي. فالفلسفة أم العلوم، وإحياء الفلسفة هو إحياء للعقل ومناهجه في التأمل والمراجعة، واستعادة لمكانة الإنسان، وعودة إلى الحضارة، يقول الفيلسوف ديكارت: «إن الفلسفة هي وحدها التي تميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تقاس حضارة الأمة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها».
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد