«الإخوان».. المراهنة على إضرام النار
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من مجلس اللوردات في لندن إلى مجلس الشيوخ في باريس، شاركنا مع مجموعة «تريندز» في منتدى الإسلام السياسي، إلى جانب سياسيين وباحثين وخبراء ناقشوا خطر جماعة «الإخوان» وشبكاتها، وأهمية تصنيفها جماعة إرهابية. وأكدت المداخلات ضرورة مواجهة فكر الجماعة، ومراقبة تمويلها، وكشف وسائل تغلغلها. فترك الإخوان يعبثون بالمجتمعات الأوروبية والدول العربية والمسلمة، وينشرون التحريض والانقسام، يؤدي إلى تفكك المجتمعات وإضعاف الدول، ويعطي أصحاب الهدم مجالاً لتوسيع نفوذهم، فتدفع الأوطان من أمنها ووحدتها صراعاً وانقساماً ودماراً.
لقد أتقن «الإخوان» صناعة الحواجز بين المسلم ومجتمعه، وأقاموا من التأويل الأيديولوجي للدين أسواراً حول عقول أتباعهم. يُستدرج المسلم إلى أن يرى الجماعة ملاذه الأول والأخير، ومصدر المشروعية، والغاية التي يسعى إليها، فتتشكل مجتمعات داخل المجتمعات، لها ولاءاتها ومرجعياتها وشبكاتها الخاصة. يعيش الإنسان في وطن، ويُربّى على الولاء للتنظيم، وينتفع بأمن الدولة وأمانها، يُؤخذ خيرها ويُجحد فضلها. ويتعلّم الشك في قيمها ومؤسساتها، حتى يعيش في صراع وخصومة، ويسعى بيديه إلى تفكيك مواطنته وتقويض دولته الوطنية، وهو يحسب أنه يُحسن صنعاً.
في أوروبا يشتدّ الخطر عندما تقع بعض المساجد والمراكز الإسلامية في قبضة هذه الفئة الحزبية، فتتحوّل من مواطن للعبادة والأخلاق والمعرفة إلى ثكنات للتشدّد، يُلقَّن فيها الشباب ازدراء المختلف، ويُغذَّى فيهم الحقد على الأديان والآخر، ويصبح المنبر أداةً لاستقطابهم، والدرس طريقاً إلى عزلهم، والحديث عن حماية الهوية الإسلامية ذريعةً لقطع صلتهم بمجتمعاتهم. وفي بعض هذه المراكز يتعلّم الشاب احتقار الآخرين، ويتشرَّب الكراهية واستحلال الكرامة، بحيث يصبح إرهابياً يقتل بدم بارد وهو يهتف «الله أكبر». وتلك جريمةٌ ما بعدها جريمةٌ في حقَ الإنسانية والدين والقيم.
وللفكر المتطرف خزائن تُبقيه قادراً على الانتشار، فتمويلات الإخوان من التبرعات والزكاة وعائدات دور النشر والدعم الخارجي تمنح الجماعة القدرة على استقطاب الوجوه وصناعة الرموز ونشر خطابها. ولذلك شدّدت مداخلات منتدى الإسلام السياسي مع مجموعة «تريندز» على دراسة الجماعة وخطاباتها وشبكاتها، ومراقبة منابع أموالها وأوجه إنفاقها. وتستوجب هذه الرقابة تتبّع التبرعات والزكوات وعائدات النشر وطباعة الكتب والتحويلات الخارجية والأنشطة التجارية من صناعة الحلال وغيرها، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين منها. فكم تكون الخديعة فادحةً، والمصيبة عظيمةً، عندما تتحوّل موارد الخير إلى إمدادات للصراع والهدم والفتنة بين الناس.
جاء قرار البرلمان الأوروبي في الثامن من أكتوبر 2026 خطوةً متأخرة على الطريق الصحيح، إذ دعا إلى استراتيجية لمواجهة نفوذ شبكة «الإخوان»، وفحص أنشطتها وتمويلها، وتقييم إدراج كيانات وأفراد مرتبطين بها على قوائم الإرهاب. ويحتاج هذا التقدّم إلى إجراءات نافذة، فالجماعة تستثمر تفاوت القوانين وتباعد المواقف، وتجد في كل ثغرة باباً جديداً للحركة. ومن واجب الدول أن توحّد جهودها، وتتبادل معلوماتها، وتغلق منافذ التمويل غير المشروع، وتحاسب من يثبت تورّطه في التحريض ودعم الإرهاب.
لقد اكتوت دول عربية بنار الإسلام السياسي، ودفعت من استقرارها ووحدتها ثمناً باهظاً. ويقف السودان شاهداً موجعاً على آثار تمكين المتطرفين من الدولة، فقد ارتبط حكم «الجبهة الإسلامية القومية» منذ انقلاب 1989 بالإقصاء والاستقطاب الأيديولوجي للمؤسسات، واحتضان شخصيات وشبكات إرهابية. وأسهم هذا الإرث في إنهاك الدولة وتعميق انقساماتها.
إن المراهنة على «الإخوان» مراهنة على النار، يتوهّم المراهن أنهم أداةٌ في وجه خصمه، ثم يجد فيهم الخصم الذي يعمل على هدم بيته. فقد منحهم موطئ قدم، وأتاح لهم أن يمدّوا نفوذهم، حتى صار ما ظنّه قوةً له سبباً لخرابه ودمار وطنه. فهؤلاء لا وطن لهم، ولا وفاء لهم، ولا دين لهم، ولا قيم.
لذلك تتحمل الدول مسؤوليةً جسيمة عندما تتساهل مع منابر تكفّر المسلمين والناس وترميهم بتهم الإلحاد والزندقة، وتشهّر بالرموز الوطنية، وتسبّ الأديان الأخرى. فأي حرية هذه التي تصبح جسراً إلى الكراهية واستباحة حرمات الإنسان؟ إن السماح لهذا الخطاب بالتسلّل إلى الشباب يهيّئهم للجريمة، وينتهي إلى عمليات إرهابية وانتحارية ومشاهد من العنف. ولعلها تكون عبرةً للدول التي سمحت لهؤلاء بنشر خطابهم تحت غطاء حرية الكلمة، فما هي هذه الحرية التي تؤدي إلى قتل الآخر؟
إن محاصرة الفكر «الإخواني» تعني حمايةً للإسلام من الذين يحمّلونه أوزار مشاريعهم، وينسبون إليه زوراً وبهتاناً ما يفترونه من تطرف وإرهاب. وكم من شاب صار ضحيةً لهذا الفكر، وكم من متطرف وجد فيه مسوّغاً لعدوانه!
لقد حان الوقت لمحاصرته، وتفكيك دعاواه، وإحلال قيم التراحم والتعايش واحترام الإنسان محلّها. فالمراهنة على هذا الفكر مراهنة على جحيم، كلما مُنح منفذاً اتسعت أبوابه، وكلما تُركت ناره امتدّ لهيبها إلى الأوطان والمجتمعات.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. 



إقرأ المزيد