الوساطة الروسية.. حديث متجدد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كتبتُ على هذه الصفحة، في 26 مايو الماضي، مقالاً بعنوان «الجديد في الدور الروسي»، ناقشتُ فيه ما كان يتردد عن احتمال وجود وساطة روسية في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تؤهّلها لها علاقتُها بكافة أطراف الأزمة. ومِن نافلة القول أن هذا الاحتمال لم يفضِ لشيء، بدليل استمرار الأزمة والتقلبات العنيفة التي صاحبتها. ويوم السبت الماضي صرّح المتحدثُ باسم الكرملين بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب رؤيةَ الجانب الإيراني وموقفَه بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية أو اتفاق محتمل لإنهاء النزاع والحرب القائمة، وأن هذه المبادرة قد تمّت بالتنسيق المباشر مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
 ويلاحظ أن ذلك التصريح أعقب مكالمةً هاتفيةً بين بوتين وترامب، يوم الجمعة السابق على التصريح، دامت نحو ساعة ونصف الساعة، ووصفتها موسكو بالموسّعة والودّية. وذكرت بعضُ التقارير أن بوتين أكد خلال الاتصال أن عرضه لاستقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا يزال قائماً، وهي الفكرة الأساسية التي كانت مثارةً في حديث الوساطة الأولى، وأن ترامب أبدى اهتماماً بهذه النقطة، ورحّب بالدور الروسي دون الإعلان عن تفاصيل محددة للرؤية الروسية، أو عن ردٍّ نهائي من واشنطن عليها.
 وثمّة ما يُغْري بافتراض أن يكون لهذه المبادرة الروسية حظوظٌ أكبر هذه المرة بسبب اختلاف الظروف، لكن دون القدرة على حسم مستقبلها بسبب التعقد الشديد للأزمة. وأُرَكِّز في التحليل التالي على بُعدين محدّدين لهذا الاختلاف.
ويتعلق البُعد الأول بأن هذه المبادرة الروسية الجديدة تأتي في وقت اتصالات أميركية إيرانية لا يستطيع أحدٌ الحسمَ بشأن ما إذا كانت تنطوي على عنصر مباشر أم أنها كلها اتصالات غير مباشرة، لكن الأهم أنه من الواضح أنها جادة. والطرف الأميركي، رغم تهديداته المتكررة بإمكان استئناف العمليات العسكرية، لم يُغْلق بابَ التفاوض، بل إن تصريحات ترامب ومعاونيه كثيراً ما أشارت إلى أن التوصل لاتفاق هو الخيار المفضّل، بشرط أن يحقق الاتفاق المطالب الأميركية. وبالنسبة لإيران ثمّة ما يشير لمرونة أوضح في مواقفها، ففي 22 سبتمبر الماضي صرّح المتحدثُ باسم الحرس الثوري بأنه «إذا اقتضت مصلحتنا الوطنية أن نُجري مفاوضات إلى جانب الحرب فعلينا أن نتفاوض». وفي 9 أكتوبر الجاري أكد الرئيسُ الإيراني على استمرار إيران في مسار التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة، وأنها لن تنسحب من المفاوضات حتى ولو هاجمتها الولايات المتحدة مجدداً. كما أوضح أن بلاده تعكف حالياً على مراجعة ودراسة مقترحات متبادلة مع الجانب الأميركي عبر الوسطاء.. وكلها مؤشرات تفيد بجدية الخيار التفاوضي، بغضِّ النظر عن مُخرجاته النهائية.
 أما البُعد الثاني لاختلاف الظروف، بما يطرح احتمالات أكبر لنجاح المبادرة، فهو الاختراق الذي حدث في العلاقات الروسية الأميركية بتوقيع صفقة الديزل التي تنطوي على إمداد السوق الأميركية والعالمية بملايين الأطنان من الديزل الروسي، للمساعدة في خفض أسعار الوقود، بما يخفّف الضغطَ على كاهل ترامب، ويجعل روسيا في وضع أفضل من حيث إمكان استجابة ترامب لأفكاره بشأن تسوية الحرب الإيرانية، وكذلك تفادي الحرج من إيران، بسبب إرباكه لاستراتيجيتها التي تُركّز على الضغط على ترامب بإبقاء أسعار الطاقة مرتفعة لأقصى مستوى ممكن.. فهل يكون للمبادرة الروسية هذه المرة حظوظٌ أفضل؟


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة



إقرأ المزيد