«جيمس ويب».. اكتشافات لا تُقدر بثمن
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تبلغ تكلفة تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» 10 مليارات دولار، ويُمكنه بسط أجزائه أو طيها آلياً مثل الأوريغامي أثناء رحلته إلى نقطة تبعد عن الأرض أربعة أمثال المسافة التي تفصلها عن القمر. ويضاهي تعقيد تصميمه عظمة مهمته وهي دراسة الضوء الذي يحمل تفاصيل الفصول الأولى لنشأة الكون. ومنذ عام 2021، كشف التلسكوب عن عجائب كونية، بينها مجرات استغرق ضوؤها 13.5 مليار سنة حتى يصل إلى مستشعراته.
لكن أعظم اكتشافاته حتى الآن لم يكن متوقعاً، فقد رصد بقعاً ضوئية قرمزية في الكون البعيد الناشئ، أطلق عليها علماء الفلك اسم «النقاط الحمراء الصغيرة». وتكشف البيانات أنها انتشرت بكثرة بين 600 مليون و1.5 مليار سنة بعد الانفجار العظيم، قبل أن تختفي بشكل غامض. ولا يوجد حالياً ما يماثلها.
وتقدم هذه النقاط درساً لا يقتصر على أسرار الكون فحسب، بل يشمل الديناميكيات الاقتصادية الفريدة لآفاق البحث العلمي. فالتلسكوب الفضائي له تكلفة يمكن حسابها بدقة، لكن لا يمكن تحديد قيمة ما سيكتشفه مسبقاً.
وينطبق ذلك على أي مشروع علمي، فالاكتشاف، خاصة غير المتوقع، أثمن ما يمكن للبشرية الحصول عليه، لكننا لا نعرف ماهيته أو مصدره أو توقيته. ولا يمكن جني عائد منه قبل اكتشافه، كما أن ثماره نادراً ما تعود مباشرة على مموليه. ولهذا تعتمد العلوم الأساسية أساساً على التمويل العام.
لكن يظل الاكتشاف استثماراً مربحاً. فقد وصف أبراهام فلكسنر عام 1939 «فائدة المعرفة عديمة الفائدة»، في إشارة إلى اكتشافات نبعت من الفضول العلمي ولم تكن ذات جدوى ثم تحوَّلت إلى مصادر للربح بعد عقود. فتكنولوجيا كاميرات الهواتف طوَّرها علماء ناسا لصنع كواشف صغيرة للمركبات الفضائية، وتقنيات الواي فاي ابتكرها علماء الفلك الراديوي للبحث عن الثقوب السوداء المتفجرة. وأصبحت ميكانيكا الكم، التي بدت قبل قرن مفهوماً تجريدياً غامضاً، أساساً للشرائح الإلكترونية والليزر والهواتف. كذلك، تحوَّلت رقائق «إنفيديا» المصممة لألعاب الفيديو إلى العتاد الذي احتاج إليه الذكاء الاصطناعي، ما ساعد الشركة على بلوغ قيمة سوقية قدرها 5 تريليونات دولار.
ومنذ أن رصد التلسكوب تلك النقاط الحمراء الصغيرة، انشغل علماء الفيزياء الفلكية لسنوات بتفسيرها. وظهرت فرضيتان: الأولى أنها تجمعات نجمية شديدة الكثافة، تضم نجوماً كثيرة إلى حد أن سماء الأرض، لو كانت في مركزها، لأضاءتها مليارات الشموس. والثانية أنها ثقوب سوداء عملاقة تلتهم المادة بمعدل يقارب كتلة القمر كل بضع ثوان، وتسخنها حتى تتوهج.
وبعد سنوات من الأبحاث، يرجح معظم علماء الفلك الآن أن الثقوب السوداء الهائلة تمد هذه النقاط بالطاقة، لكن لغزين لا يزالان قائمين.
أولهما، أن هذه الثقوب تبدو غير مرئية على نحو غريب. فقد رصد جيمس ويب، بالأشعة تحت الحمراء، آثار المادة الدائرة حول جرم هائل غير مرئي. «لكن الثقب الأسود الذي يلتهم المادة يُفترض أن يتوهج أيضاً بالأشعة السينية، إذ تسقط المادة شديدة السخونة في أعماقه، مطلقةً صرختها الأخيرة من الضوء عالي الطاقة قبل أن تختفي داخله. لكن العلماء لم يرصدون الأشعة في أغلب الحالات، حتى باستخدام مرصد تشاندرا التابع لناسا، وربما لأن هذه الثقوب السوداء تبعث كميات ضئيلة للغاية من الأشعة السينية تعجز الأدوات الحالية عن رصدها.
ثانيًا، تتميَّز الثقوب السوداء في هذه النقاط بضخامة مذهلة ومفاجئة، ففي الكون الحالي، تفوق كتل المجرات كتل الثقوب السوداء في مراكزها بألف مرة، ويُعتقد أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة تتكون داخل مجرات موجودة بالفعل. لكن الثقوب السوداء في تلك النقاط تضاهي مجراتها المضيفة في الكتلة، وربما سبقتها إلى الوجود، لتكون البذور التي نشأت منها المجرات الأولى. وإذا صح ذلك، فسيُعاد النظر في التسلسل المفترض لنشأة الكون، من حالة مظلمة عديمة الشكل إلى المجرات والنجوم والكواكب، وصولاً إلى البشر.
ويعيدنا ذلك إلى السؤال الأقدم: من أين أتى البشر؟ فالأشعة السينية دليل قاطع على وجود الثقوب السوداء، والتقاطها يشبه قراءة رسالة من فجر الزمن. ولكشف ما يجري داخل النقاط الحمراء الصغيرة، يحتاج العلماء إلى تلسكوب للأشعة السينية أقوى بكثير من تشاندرا. وبدأت ناسا استكشاف مرصد جديد ضمن مبادرة تحمل اسم«أسترا».
لكن لا يمكن التنبؤ بما سيحققه التلسكوب، فكلما بنينا أداة للإجابة عن سؤال، طرح الكون أسئلة جديدة، وظلّت مكافآت البحث العلمي غير متوقعة.وقد يرصد «جيمس ويب» تلك النقاط كما كانت قبل أكثر من 12 مليار سنة، بقعاً حمراء متوهجة في كون غارق في الظلام. وربما تساعد في الإجابة عن سؤال جوهري: ما الذي أضاء الكون؟ يتدفق الضوء الحامل للإجابة نحونا منذ مليارات السنين، لكن أجهزتنا لم تتمكن من التقاطه بعد. فهل كانت الثقوب السوداء، وهي أشد الأجسام ظلمة، أول ما أضاء الكون؟ لا نعرف ما ستكشفه عين جديدة في السماء، وهذا تحديداً ما يجعل بناءها ضرورياً. فما نعرفه، بعد قرون من الرصد، هو أن هناك دائماً شيئاً ينتظر أن نكتشفه.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة هارفارد.



إقرأ المزيد