جريدة الإتحاد - 10/12/2026 11:57:37 PM - GMT (+4 )
تحوّل الحرب إلى معارك عصابات وقرصنة وكرٍّ وفرٍّ بحري وجوّي وتهديدات متنوعة غير نظامية لتشتيت الاستجابة ومواصلة الضغط على جميع الأطراف وتوسيع الصراع في أكثر من قارة، هذه استراتيجية استنزاف تحاول وضع المنطقة فوق سطح ساخن غير مسبوق، حيث لم تَعُد الهجمات على السفن في الخليج العربي وخليج عمان حوادث معزولة، فهي تضغط على الاقتصاد العالمي وأمن سلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة وحرية الملاحة وقرارات الحرب والسِّلم معاً.
الأخبار لا تتوقف عن استهداف السفن، وعلى سبيل المثال لا الحصر في 11 أكتوبر 2026، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بإصابة ناقلة متجهة إلى خارج مضيق هرمز بمقذوف مجهول، فيما وردت تقارير عن إصابة ناقلة أخرى بمقذوفات متعددة شمال قطر قبل ذلك. وفي الفترة من 28 سبتمبر إلى 5 أكتوبر، رصدت مصادر أمنية بحرية ما لا يقل عن 12 هجوماً أو واقعة استهداف لناقلات حول المضيق، وفق وكالة رويترز. وبحلول 9 أكتوبر، كانت المنظمة البحرية الدولية قد سجّلت 100 حادثة مؤكدة و24 وفاة بين البحارة ضمن قائمتها لحوادث مضيق هرمز والشرق الأوسط.
وتستحق طبيعة السفن والشحنات عناية خاصة، فبعض الحوادث شملت ناقلات نفط وغاز، لكن وجود الناقلة في سجلِّ الحوادث لا يثبت وحده أنها كانت محمّلة بكامل طاقتها وقت إصابتها، فتحديد الحمولة يتطلب بيانات الرحلة أو بيان الشحنة. وتذكر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الناقلة العملاقة من فئة VLCC تستطيع عادة حمل نحو 1.9 إلى 2.2 مليون برميل من الخام. وإذا أصيبت سفينة محمّلة، فقد يتجاوز الضرر ثمن السفينة والبضاعة إلى الحريق أو التسرب أو تعطيل الممر البحري، بحسب نوع الحمولة ومكان الإصابة وحالة السفينة.
ويُعد استهداف السفن المحملة بالمواد الخطرة تهديداً مباشراً لأمن البيئة المائية في منطقة الخليج العربي، وليس مجرد حوادث يمكن أن تمر مرور الكرام، وخاصة عندما تُضرب سفينة تم استهدافها وهي غير متجهة لمضيق هرمز وتُستهدف مرة ثانية، والمستهدِف يعلم نوع الشحنة التي تحملها السفينة. ولا شك في أن الهدف من ذلك هو توسيع دائرة الضرر وإلحاق الأذى بسواحل دول المنطقة. ورغم هذا لا نسمع غير تصريحات دولية هامشية وعلى استحياء حيال تلك الممارسات العدوانية. ويحوّل تكرار الهجمات الخطرَ من خسارة فردية إلى وسيلة ضغط محتملة.
فالتهديد عبر اللاسلكي، أو مطالبة ناقلة بالعودة، أو إصابتها بمقذوف.. قد يدفع شركات الشحن إلى تعليق الرحلات أو تجنُّب مسارات معينة، مما يؤثّر على حركة التجارة الدولية عبر المضيق. وتزداد فرضية الضغط المقصود عندما تتكرر الوقائع وتترافق مع تهديدات بمنع المرور. كما أن التحذيرات البحرية تصف عدداً من المقذوفات بأنها مجهولة، لذا يجب التمييز بين نمطٍ يوحي بالقصد وبين إسناد قانوني مكتمل. وتتوزع المسؤولية العملية على أطراف متعددة: رُبان السفينة، ومالكها، ومشغّلها، والمستأجر، والوكيل الملاحي، إلى جانب دولة العَلم، والدولة الساحلية، ومقدّمي خدمات الإنقاذ، وشركات التأمين.
الوكيل ينسق الاتصالات والخدمات المحلية عادةً، لكنه ليس صاحب السلطة الملاحية على السفينة. كما أن دولة العلم ليست مجرد خانة في السجل، فاتفاقية قانون البحار تُلزمها بممارسة الرقابة على سفنها واتخاذ تدابير السلامة، وتلزمها بالتحقيق في فئات محددة من الحوادث الجسيمة. أما التأمين، فله دور مهم في تحديد تغطية الحرب والمسؤولية والتعويض عن الأضرار، وقد تتطلب عقود الإنقاذ أو التغطية إخطاراً أو موافقات بحسب الحالة وشروط الوثيقة.
لكن ذلك لا يعني وجود قاعدة عامة تمنع الرُّبان من التصرف قبل موافقة شركة التأمين. وتؤكد اتفاقية الإنقاذ البحري أن للرُّبان صلاحية إبرام عقود الإنقاذ باسم مالك السفينة، وتُلزم مالك السفينة والربان بالتعاون مع المنقذ والعناية بالحد من الضرر البيئي. كما تمنح الدولة الساحلية حق اتخاذ تدابير لحماية سواحلها من التلوث المتوقع بعد حادث بحري.
وتشير إرشادات المنظمة البحرية الدولية إلى أن وضوح الأدوار يصبح أقل بعد انتهاء مرحلة البحث والإنقاذ، رغم احتفاظ الرُّبان بسلطة ومسؤولية قرارات السلامة ومنع التلوث، والوكيل الملاحي بالتنسيق مع شركات التأمين لتحريك السفينة، وهو إجراء مطوّل.
وهذا يكشف ثغرة في سرعة التنسيق والتنفيذ، لا غياباً كاملاً للقواعد: فقد تكون القواعد موزّعة بين الاتفاقيات والقوانين الدولية والوطنية والعقود المبرمة، وهي لم توضع للتعامل مع حالات الأزمات الجيوسياسية متوسطة أو طويلة الأمد، مما يُعد أزمة بحدِّ ذاته. ويبقى السؤال: متى سيكون هناك تحرك حقيقي وجاد من دول العالم مجتمعةً، ومجلس الأمن الدولي والتحالفات الدولية، لتأمين سلامة المسرح البحري كجزء لا يتجزأ من الأمن العالمي؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات
إقرأ المزيد


