جريدة الإتحاد - 10/19/2026 10:21:30 PM - GMT (+4 )
تستعاد نقاشات العلاقة بين الدِّين والعِلم في كثير من الحوارات المعاصرة ضمن صورة مواجهة مفتوحة، يتقدم فيها أحدُ الطرفين بقدر ما يتراجع الآخر. وتستبطن هذه الصورة تصوراً مخصوصاً للحقيقة، يفترض أن المعرفةَ الإنسانية تنحصر في مسلك واحد، وأن اختلاف مناهجها يُفضي بالضرورة إلى تناقض نتائجها. غير أن النظر العقلاني يكشف عن تعدد مستويات المعرفة، واختلاف أدواتها ووظائفها، وإمكان تفاعلها ضمن رؤية أوسع للوجود. وتقتضي مقاربة العلاقة بين الدين والعلم فهم هذا التعدد، وتحديد طبيعة المعرفة التي يقدمها كل منهما، والشروط التي تنظّم الصلات بينهما.
ويمكن مقاربة هذه العلاقة من خلال النماذج الأربعة التي أوردها الفيزيائي وفيلسوف الدين إيان باربور، وهي: الصراع، والاستقلال، والحوار، والتكامل. وهي نماذج تعكس تصوراتٍ متباينةً للعقل والحقيقة والتجربة، وتساعد على فهم الرهانات الكامنة وراء الجدل بين الاعتقاد والمعرفة العلمية. وتتداخل هذه النماذج في الواقع، فقد يتبنى الفيلسوفُ أحدَها في مسألة، ويقترب مِن نموذج آخر في مسألة مختلفة.
ويقوم نموذج الصراع على افتراض أن الدين والعلم يقدّمان إجابتين متنافستين على القضايا نفسها. ويتغذى هذا الافتراضُ مِن نزعتين تتقابلان في الموقف وتتقاربان في البنية: العلموية التي توسّع صلاحيةَ المنهج التجريبي حتى تجعله معياراً وحيداً للحقيقة، والحرفية الدينية التي تحوّل قراءةً معينةً للنص إلى سلطة تحكم البحثَ في الطبيعة أيضاً. وفي الحالتين، يتحول الاختصاصُ إلى ادّعاء بالشمول واحتكار الحقيقة، ويصبح الاختلافُ تهديداً يستدعي الإقصاء.
تظهر المشكلة الفلسفية في هذا النموذج في الانتقال غير المسوَّغ من المنهج إلى الموقف الوجودي. فالتزام العالم بتفسير الظواهر بأسباب قابلة للفحص شرطٌ لعمله العلمي، أما القول بأن الوجود ينحصر فيما يقبل الاختبارَ فدعوى فلسفية تحتاج إلى حجج مستقلة. وبالمثل، فإن الإيمان بمرجعية الوحي يفتح مجالَ تأويله وفهم مقاصده، وتظل القراءة البشرية قابلة للمراجعة والمساءلة.أما نموذج الاستقلال، فيعالج التنازعَ بتحديد اختصاص كل مجال. يتجه العِلمُ إلى تفسير الظواهر، ويتناول الدِّينُ قضايا المعنى والغاية والقيمة. وتتمثل قوةُ هذا النموذج في حماية استقلال المنهج العلمي، وحماية الاعتقاد من الارتهان لتقلب النظريات. غير أن الفصل الصارم يواجه صعوبةً أساسيةً: الإنسان الذي يعرف ذاتَه هو الذي يؤمن ويختار ويتحمل المسؤولية، وتتقاطع في تجربته أحكامُ الواقع مع تصورات المصير.
ولهذا تبدو الحدودُ بين المجالين ضرورية لتنظيم العلاقة، مع بقاء الحاجة إلى التفكير في أوجه التفاعل بينهما. فالمعرفة العلمية تغيّر تصورات الإنسان عن نفسه وقدراته وعن الطبيعة والعالَم، وتستدعي مراجعةَ بعض التأويلات الموروثة. كما أن توجيه استخدام المعرفة المكتسبة بالتجربة، يقتضي نظراً أخلاقياً في آثارها وغاياتها.ويتأسس نموذجُ الحوار على هذا التفاعل، مع المحافظة على اختلاف الأدوات ومعايير الاستدلال. ويكتسب الحوارُ مضمونَه بالانتقال من إعلان التوافق إلى فحص الافتراضات المتعلقة بمعنى الموضوعية، وحدود التفسير، وموقع القيم في الممارسة العلمية، وطبيعة اللغة الدينية. وتؤدي الفلسفةُ وظيفةً أساسيةً بما توفره من نقد للمفاهيم وتمييز بين مستويات القول، فتعطي الطرفين قدرةً أوسعَ على فهم أسسهما المعرفية وحدود مناهجهما.
ويتقدم نموذجُ التكامل إلى بناء تصور كلي يستوعب المعرفة العلمية داخل أفق وجودي أرحب، ويستجيب لحاجة الإنسان إلى اتساق رؤيته للعالم. لكنه يقتضي الحذرَ من المطابقة المتعجّلة بين الإيمان والنظرية العلمية. ويَظهر هذا المحذور في بعض صيغ الإعجاز العلمي التي تُحمِّل الآيات تفاصيل تقنية متغيرة، وتربط صدقية التأويل بمآل فرضية علمية. وعندئذ يصبح كل تعديل في النظرية عبئاً على القراءة الدينية التي ارتبطت بها.
وفي التراث الإسلامي، يقدم ابن رشد مدخلاً مهماً إلى هذا النقاش، من خلال الجمع بين استقلال البرهان ووحدة الحقيقة. فلكل صناعة معرفية أدواتُها، ويقتضي النظر احترامها. ويؤدي التأويل وظيفة معرفية في معالجة التعارض الظاهر بين الدليل العقلي ودلالة النص، ضمن شروط البرهان واللسان. وتكمن قيمة هذا المدخل في جعل الفهم نفسه موضوعاً للمساءلة، وفي ربط سلامة الاعتقاد بجدية النظر.
ويقتضي استحضارُ هذا التراث وعياً بالفارق بين علوم عصره وبنية العلم المعاصر. فقيمته الراهنة تتصل بموقفه من البرهان والتأويل، وبإقراره قدرةَ العقل على البحث، بينما تستدعي التحولاتُ المعرفية أدواتٍ جديدةً ومقارباتٍ تناسب واقعَ الإنسان اليوم.
إن الأفق الأجدى لهذه العلاقة هو العقلانية المركَّبة، التي تعترف بتعدد مستويات الفهم، وتربط درجةَ المعرفة بوعي حدودها. فالعلم يوسّع قدرتَنا على تفسير العالَم والكشف عن انتظامه، والدِّين يضيء أبعادَ المعنى والغاية والقيمة، والفلسفة تفحص شروط الصلة بينهما. وعلى هذا الأساس، تتحدد علاقة تحفظ لكل مجال خصوصيتَه المنهجية، وتتيح التفاعلَ بين المعرفة العلمية والفهم الديني، ضمن أفق يتسع لوحدة الحقيقة وتعدد مسالك النظر إليها.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


