هرمز في معادلة الخليج
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم يَعُد مضيق هرمز مجرد ممرٍّ بحري، بل أصبح جزءاً من معادلة الخليج الأمنية. ما جرى أكد أن المسألة تتجاوز عبور الناقلات إلى أمن الطاقة، وشكل التوازنات التي ستتقرر بعد الحرب. ولم يَعُد كافياً البحث عن ترتيبات مؤقتة تعيد المرور في المضيق، بل إلى أمن مستدام في الخليج يمنع تحويل هرمز إلى أداة تهديد وابتزاز.

الخطر في هرمز لا يكمن فقط في الإغلاق الكامل. يكفي أن تُزرع الألغام، وتتراجع حركة العبور، وترتفع كلفة التأمين، وتدخل الأسواق في مناخ خوف دائم، حتى يفقد المضيق وظيفته الطبيعية. ولم تَعُد المشكلة في عبور السفن وحده، بل في اهتزاز الثقة في أهم ممرات الطاقة في العالم.

وهذا ما سعت إليه إيران، حين حاولت استخدام هرمز كورقة ضغط عبر تعطيل التدفقات ورفع الكلفة على الجميع. ولم تكتفِ طهران بالضغط العسكري، بل حاولت تغليفه بخطاب قانوني وسياسي. فهي تنفي الإغلاق الكامل، لكنها تُقرّ بأنها تدير الحركة في المضيق بمنطق الانتقاء والتمييز، لا بمنطق حرية الملاحة المفتوحة. وهذا يعني أن الأزمة لم تَعُد أزمة صواريخ ومسيّرات، بل محاولة لفرض أمر واقع جديد يجعل العبور خاضعاً للشروط الإيرانية.

ومن هنا تبرز أهمية التحرك الدولي، لأنه لم يَعُد رداً على تهديد عسكري فقط، بل على محاولة إيرانية لإعادة تعريف القاعدة الحاكمة للمضيق نفسه. ولم يتوقف التصعيد عند الممرات البحرية، بل امتد إلى قطاع الطاقة. فالضربات التي طالت منشآت في حقل بارس الجنوبي، والاعتداء على منشآت طاقة في قطر والسعودية والإمارات والكويت، أكدت أن الحرب تجاوزت تعطيل العبور في هرمز إلى استهداف منظومة الطاقة الخليجية. ما يفسّر الارتفاع السريع في أسعار النفط والغاز، والقلق في آسيا وأوروبا. ومن أكبر أخطاء النظام الإيراني الاعتداء على دول الخليج. فهذه الدول لم تدفع إلى المواجهة، بل سعت إلى تجنُّبها.

ومع ذلك، وجّهت طهران ضرباتها إلى المدن والمنشآت المدنية. ولم يؤدِّ ذلك إلى تخفيف الضغط عنها، بل إلى ترسيخ كونها التهديد الأوضح لأمن الخليج، ودفع دولها إلى تطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز تنسيقها الأمني، وتوثيق شراكاتها مع القوى الداعمة للاستقرار. وهذا من أهم تحولات الحرب. ويكتسب البيان المشترك، الذي شاركت فيه الإمارات مع دول عدة، أهمية لأنه أكد أن ما يجري في هرمز لم يَعُد قضية خليجية ضيقة، بل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. كما كرّس المقاربة الإماراتية التي تعاملت مع أمن المضيق بوصفه مسؤولية جماعية تمسّ التجارة والطاقة عالمياً. ولم يَعُد الحديث مقتصراً على رد فعل على التصعيد الإيراني، بل على بناء ترتيبات أوسع لحماية الممرات بغطاء دولي واضح.

وجاء قرار الرئيس دونالد ترامب تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية خمسة أيام دليلاً على أن عقدة هرمز لم تعد تُدار عسكرياً فقط، بل تفاوضياً أيضاً. وواشنطن لا تبدو معنية بتوسيع الحرب بقدر ما تريد فرض فتح المضيق ومنع طهران من تحويله إلى ورقة ابتزاز دائمة. والتهديد العسكري ما زال قائماً، لكنه يُستخدم كأداة ضغط لفرض إعادة فتح هرمز، ومنع تكريس الأمر الواقع الإيراني في المضيق.

لكن فتح هرمز، لن يكون نهاية المسألة. فاستعادة الثقة، وخفض المخاطر، وانتظام التدفقات، تحتاج وقتاً أطول من أي عملية عسكرية. لذلك فإن المطلوب بعد الحرب ليس فقط إعادة فتح المضيق، بل منع تحوله من جديد إلى أداة ضغط في كل أزمة. ويحتاج الخليج إلى ترتيب أمني راسخ، يقيّد التهديد النووي والصاروخي والمسيّرات، ويمنع إخضاع الممرات الحيوية لمنطق الابتزاز. ومن دون ذلك، سيبقى هرمز عبئاً دائماً على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.

*كاتب إماراتي
 



إقرأ المزيد