جريدة الإتحاد - 3/25/2026 11:35:55 PM - GMT (+4 )
في المنعطفات الإقليمية الحادة، لا تفضح الأحداثُ خرائطَ الصراع وحدها، بل تكشف كذلك طبقاتٍ خفيّةً من الوعي العربي المأزوم، حيث لا يُستقبل النجاح بوصفه رصيداً مشتركاً، بل يُعامل أحياناً كما لو كان خروجاً على نظامٍ رمزي قديم، أو تمرُّداً على تراتبية ذهنية استقرت طويلاً في الوجدان السياسي العربي. ومن هنا يمكن فهم ما أسميه «فوبيا الإمارات»، لا بوصفها مجرد موقف إعلامي عابر، بل باعتبارها بنية تأويلية مضطربة، تنشط كلما برزت الإمارات في لحظة إنجاز، أو تعرضت لاستهداف أو تهديد، فتنبعث من بعض المنابر نبرةٌ لا تكتفي بتبسيط الوقائع، بل تمضي إلى إعادة صياغتها وفق هوى نفسي سابق، يجعل من الضحية موضع مساءلة، ومن الاستقرار سبباً للريبة، ومن النجاح مناسبةً للاستفزاز الرمزي.
هذه الظاهرة لا تُفهم إذا اختُزلت في خلاف سياسي أو تباين في المصالح، فهي أعمق من ذلك. إنها تعبير عن عُسرٍ في التكيف مع تحوّل عربي كبير نَقل مركزَ الفاعلية من جغرافيا الشعار إلى جغرافيا الإنجاز، ومن البلاغة الحماسية إلى منطق البناء، ومن ادعاء الدور إلى إنتاجه فعلاً. وحين عجزت بعض النُّخب عن استيعاب هذا التحول، لجأت إلى آلية دفاعية قديمة: التشكيك في النموذج الصاعد، وتحويل تفوّقه إلى مادة اتهام، كأن التنمية ذنب، وكأن الاستقرار يثير من الشبهة أكثر مما يثير من التقدير.لقد شكّلت العقودُ الأخيرة في منطقة الخليج العربي، والإمارات في قلبها، لحظةَ انعطاف في المعنى السياسي للدولة العربية. لم تَعُد الدولة مجرد جهاز إداري يحرس الحدود ويكرّر الشعارات، بل صارت مشروعاً مركّباً لإنتاج الاقتصاد والمعرفة والبنية التحتية والقدرة الجيوسياسية معاً. وهذه النقلة لم تزعج خصوماً مباشرين فقط، بل أربكت أيضاً ذهنيات عربية ظلت أسيرةَ تَصور قديم للثقل الإقليمي. فلما ظهرت دولةٌ عربية قادرة على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية، والمرونة الدبلوماسية، والحضور العالمي، أُصيب بعضُ الوعي العربي بما يشبه الارتجاج الإدراكي، إذ لم يَعُد قادراً على إنكار الواقع، ولا على التصالح معه.
ومن هنا نفهم لماذا تتبدل لغة بعض الأصوات كلما تعرضت منشآت خليجية لاعتداء أو تهديد. فبدلاً من انبعاث الحس العربي الأولي الذي يرفض استهداف المدن والمدنيين والبنى الحيوية، نرى خطاباً يحاول تحريف وجهة النظر، أو تخفيف بشاعة الفعل، أو إغراق الحدث في سجال أيديولوجي يطمس جوهره الأخلاقي. وهذه ليست مجرد قسوة في الموقف، بل خلل في معيار الإدراك نفسه، لأن الذي يفقد القدرةَ على تسمية الاعتداء اعتداءً، لم يَعُد أسير موقف سياسي فحسب، بل صار أسير بنية ذهنية تعيد ترتيب الحقائق بحسب خصوماتها المسبقة.
إن الأيديولوجيا، حين تفقد صلتها بالواقع، لا تعود أداة تفسير، بل تصبح جهاز تعمية. وهي في الفضاء العربي كثيراً ما اشتغلت بهذه الوظيفة، فقد زيّنت لأصحابها أوهامَ القوة حين لم تكن هناك قوة، وأوهمتهم بقرب النصر حين كانت مقدمات الانكسار تتراكم، وجعلتهم يراهنون مراراً على المشاريع الخاسرة ثم يعجزون عن مراجعة رهاناتهم بعد سقوطها. ولذا فإن جزءاً من «فوبيا الإمارات» ليس إلا امتداداً لهذا العمى الأيديولوجي نفسه: عجز عن قراءة الوقائع كما هي، وإصرار على إخضاعها لصورة ذهنية قديمة ترى في كل نجاح خليجي إدانةً ضمنيةً لفشلها هي.
ثم إن المسألة ليست اقتصادية فقط، وإن كان العامل التنموي حاسماً فيها. فحين تنجح دولة في بناء نموذج يجمع بين الرفاه والاستقرار والقدرة على التأثير، فإنها لا تغيّر موقعَها وحدَه، بل تغيّر أيضاً سلّمَ المقارنة في محيطها. وهنا يتولّد نوع من الحرج الصامت لدى بعض النُّخب، لأن الإنجاز الفعلي يفضح عُقم الخطاب المجرد، والتنمية المنجزة تكشف هشاشة التبرير المزمن للفشل.. لذلك تتحول المنافسة أحياناً من مستوى السياسات إلى مستوى الرموز، فلا يُناقش النموذج في نتائجه، بل يُستهدف في شرعيته، ولا يُجادل في أدواته، بل يُرتاب من صعوده نفسه.
إن «فوبيا الإمارات» في حقيقتها ليست حكماً على الإمارات بقدر ما هي اعتراف مضمر بتحول عميق في المنطقة. إنها انفعال صادر عن وعي لم يُحسن بعدُ التكيف مع انتقال الثقل إلى مَنْ يعرف كيف يبني، وكيف يثبت، وكيف يحمي إنجازه من أن يتحول إلى رهينة لشعارات الآخرين. ولذا فالسؤال ليس: لماذا تُستهدف الإمارات في بعض الخطابات؟ بل هو: لماذا صار النجاح العربي، بعد أن تحقق خارج بعض المراكز، موضع ضيق عند مَنْ عجزوا عن إنتاج بديله؟ هنا تبدأ المشكلة، وهنا أيضاً يبدأ فهمها.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


