جريدة الإتحاد - 3/25/2026 11:46:54 PM - GMT (+4 )
يعكس التضامنُ الدولي الواسع الذي تحظى به دولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة العدوان الإيراني رسوخَ مكانتها كشريك فاعل في النظام الدولي المعاصر. ومما لا شك فيه أن هذا التضامن هو حصيلة نهج دبلوماسي متّزن، نجح في بناء شبكة علاقات متشعّبة قائمة على الثقة المتبادلة وتكامل المصالح، بما عزّز قدرة الإمارات على حشد الدعم السياسي والدبلوماسي الفاعل لها في أوقات الأزمات والتحديات.
وفي هذا السياق، فقد اكتسبت الاتصالات المكثّفة التي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أهمية استراتيجية، إذ عكست إدراكاً متزايداً لثقل دولة الإمارات السياسي ودورها المحوري في استقرار الإقليم. فقد توالت هذه الاتصالات من مختلف قادة القوى الإقليمية والدولية، متضمنةً رسائل واضحة برفض العدوان الإيراني والتأكيد على دعم سيادة الإمارات وأمنها الوطني، في ظل تحوّلها إلى شريك موثوق في إدارة التوازنات في منطقة الشرق الأوسط.
وتتجلى أهمية هذا التضامن في كونه لم يقتصر على البيانات السياسية، بل اتّخذ طابعاً أكثر شمولاً، تَمثّل في إجماع عربي وإسلامي وغربي على إدانة العدوان الإيراني. ويؤشر هذا الإجماع إلى إدراك عميق بأن استهداف استقرار دولة الإمارات لا يمثّل تهديداً لها فحسب، بل يطال أمن منطقة الخليج والشرق الأوسط، خاصةً في ظل الدور الحيوي الذي تضطلع به في ضمان استقرار أسواق الطاقة وحماية خطوط الملاحة الدولية.
وقد تعزّز الموقف الداعم لدولة الإمارات عبر تحركات متعددة الأطراف، أبرزها البيان الصادر عن دولة الإمارات ومجموعة من الدول الصناعية والمتقدمة، الذي أدان الهجمات على الملاحة البحرية والبنية التحتية، وأكد أهمية حماية الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، باعتباره شرياناً استراتيجياً للتجارة العالمية. كما عكس استعدادُ عددٍ كبير من الدول للمساهمة في تأمين الملاحة الدولية تحولاً نوعياً من التضامن السياسي إلى الفعل الجماعي المنظم، بما يعزّز قواعد الأمن البحري ويحدُّ من مخاطر التصعيد.
وتكتسب المواقف الدولية التي تضامنت مع دولة الإمارات أهميةً إضافية في ضوء تنوعها الجغرافي والسياسي، حيث شملت دعماً صريحاً مِن قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، ودول أوروبية فاعلة، إلى جانب دول آسيوية وإفريقية، وهو ما يعكس اتساعَ نطاق التأييد للإمارات عبر مختلف دوائر النظام الدولي. وبرز في هذا السياق إدراكٌ مشترك بأن احترام سيادة الدول والالتزام بالقانون الدولي يمثلان الأساس الذي يقوم عليه الاستقرار العالمي، وأن أي انتهاك لهذه المبادئ يستدعي موقفاً حازماً وجماعياً.كما يعكس هذا التضامن متعدد الأطراف مع دولة الإمارات نجاحَ دبلوماسيتها في بناء نموذج متوازن للعلاقات الدولية، يجمع بين الانفتاح الاقتصادي، والتعاون الأمني، والعمل الإنساني. ولم يكن هذا التقدير الدولي وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم طويل من المبادرات والسياسات التي ركّزت على تعزيز الحوار، وتغليب الحلول السلمية، والانخراط الفاعل في القضايا الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تشير تداعيات الاعتداءات الإيرانية على دولة الإمارات ودول الخليج العربي إلى كُلفة استراتيجية مرتفعة، حيث أسهمت في توسيع دائرة العزلة السياسية على إيران، ودفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً في رفض هذا العدوان. فاستهداف دولة تمتلك شبكة علاقات واسعة ومصالح متشابكة مع الاقتصاد العالمي يضع الطرفَ المعتدي في مواجهة إجماع دولي، ويحد من قدرته على تحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية.
وفي الواقع، فإن مشهد التضامن الدولي مع دولة الإمارات يعكس حقيقةً جوهريةً مفادها أن الدول التي تبني سياساتها على الاعتدال، وتعزز حضورها عبر التنمية والشراكة والتعاون، تحظى بثقة المجتمع الدولي ودعمه في مواجهة التحديات. ومِن منظور أوسع، يبرز هذا المشهدُ أهميةَ توظيف الزخم الدولي في تعزيز مسارات الردع الدبلوماسي، وتحويل الدعم السياسي إلى آليات عملية تسهم في حماية السيادة الوطنية، وترسيخ قواعد القانون الدولي.
إن المكانة الإقليمية والدولية التي وصلت إليها دولة الإمارات اليوم لا تقتصر على كونها قوةً اقتصادية صاعدة، بل تتجاوز ذلك لتشكّل نموذجاً متكاملاً للدولة المؤثرة، القادرة على مواجهة التحديات والتهديدات والموازنة بين مصالحها الوطنية ومسؤولياتها الدولية، بما يعزّز مِن دورها في بناء نظام إقليمي ودولي أكثر استقراراً وازدهاراً.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


