جريدة الإتحاد - 3/25/2026 11:47:01 PM - GMT (+4 )
بعد أسابيع من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يواجه العالَمُ أكبرَ صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ. بل إنها أكبر حتى من أزمة السبعينيات، إذ إن نحو 20% من نفط العالم أصبح عالقاً. وإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي، لا يقتصر على تعطيل شحنات النفط، بل يقطع أيضاً إمدادات الغاز الطبيعي والأسمدة اللازمة للزراعة. إذ إن نحو 20% من الإمدادات العالمية من الأسمدة تُنتج في دول الخليج. وقد ارتفعت أسعار النفط بنسبة 50% منذ بدء الحرب في 28 فبراير، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة بأكثر من 30%. ونظراً لهذه الاضطرابات في المواد الحيوية، قد يتوقع المرء حدوث ضغط هائل على النظام المالي العالمي.
لكن بعد نحو ثلاثة أسابيع من هذا الصراع، يُظهر هذا النظام استقراراً ملحوظاً، ويعمل دون ذعر أو مؤشرات مقلقة على وجود ضغوط. من المهم التمييز بين تحركات الأسعار، سواء ارتفعت أسعار الأسهم والسلع أو انخفضت، أو ارتفعت عوائد السندات أو انخفضت، وبين الاستقرار المالي العام. قد تنخفض أسواق الأسهم بنسبة 10% أو أكثر في غضون أسابيع، وهذا أمر شائع. وتتراجع أسواق الأسهم الأميركية بنسبة 5% مرة واحدة سنوياً، وبنسبة 10% أو أكثر كل بضع سنوات، وكان آخرها في أبريل 2025 بعد إعلان الرئيس ترامب عن تعريفاته الجمركية في ما سماه «يوم التحرير». أما أسواق الأسهم العالمية فأكثر تقلباً، إذ يمكن أن تتذبذب أسعار النفط ضمن نطاق واسع، كما يمكن أن تشهد عوائد السندات تقلباتٍ حادةً في فترة وجيزة. ومع ذلك، تحدث هذه التحركات السعرية عادةً بشكل منظم، حتى في حال ذعر الأفراد أو المؤسسات، واتخاذ المستثمرين قراراتٍ متسرعةً. ويعني «التنظيم» أن النظام يعمل كما ينبغي.
فعندما يرغب شخص ما في بيع أو شراء شيء ما، يمكنه ذلك، وعندما يرغب في سحب أمواله، يمكنه ذلك، وعندما يرغب في إرسال أموال أو تحويل استثماراته، يمكنه ذلك. تخيّل الأسواق المنظمة أو المستقرة كمتجر كبير: حتى عندما يتهافت الناس على تخزين البضائع أثناء الأزمات -كإعصار وشيك- يجدون الطعام متوفراً على الرفوف، ويصطفون بهدوء لدفع ثمن مشترياتهم. لكن في بعض الأحيان، ينهار النظام. آخر مرة حدث ذلك كانت عام 2008 خلال أزمة الرهن العقاري التي تحوّلت إلى أزمة مالية عالمية. أصبحت مهام أساسية، مثل ضمان توفّر السيولة الكافية لدى البنوك لسحب الأموال، تحدياً كبيراً.
واضطر الاحتياطي الفيدرالي والحكومات في جميع أنحاء العالم إلى توفير سيولة طارئة هائلة لتجنُّب انهيار كامل. ومنذ ذلك الحين، لم نشهد أزمةً بهذا الحجم، ولم يحدث ما يشبهها لعقود قبل ذلك. وقد أدى ظهور جائحة كوفيد-19 عام 2020 إلى توقف السفر واتخاذ الحكومات إجراءات صارمة، لكن النظام المالي استمر في العمل بسلاسة، حيث تحركت البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم بسرعة وضمنت وجودَ سيولة كافية في النظام.
قد تدفعك الصدمة الحالية في قطاع الطاقة إلى الاعتقاد بأن النظام الاقتصادي مُهدد، لكن ذلك ليس واضحاً حتى الآن. غالباً ما تكون الأزمات الكبرى نتاجاً لتضافر عدة عوامل ضغط. يمكن للمرء أن يتخيل أن اجتماع الحرب الإيرانية، والمخاوف من أن سوق الائتمان الخاص في الولايات المتحدة (نحو تريليوني دولار) على وشك الانفجار، والذعر من تأثير الذكاء الاصطناعي على قطاعات متعدّدة.. قد يُؤدي إلى انهيار النظام. لكن هذا لم يحدث بعد. ومن الخطورة بمكان طرح هذا الرأي، إذ من المحتمل أن تكون اللحظة الراهنة مفترق طرق أو قريبة منه.
لا أحد يُريد أن يكون مثل الخبير الاقتصادي الشهير «إيرفينج فيشر»، الذي قال قبيل انهيار أكتوبر 1929 إن أسعار الأسهم وصلت إلى «ما يبدو أنه مستوى مرتفع دائم». أو أن يكون مثل «كيفن هاسيت»، الخبير الاقتصادي الحالي في البيت الأبيض، الذي شارك في تأليف كتاب عام 1999 بعنوان «داو جونز 36000» قبيل بدء المؤشرات في انخفاض حاد، وقد وصل مؤشر داو جونز بالفعل إلى 36000 نقطة.. بعد 22 عاماً. لكن استقرار النظام المالي سمةٌ من سمات عالمنا اليوم لا تحظى بالاهتمام الكافي، ربما لأن الاستقرار ليس خبراً جديداً، بينما الأزمات كذلك، ولأن هناك حذراً مفهوماً من أن تسليط الضوء عليه يُعدّ مجازفةً.
إن الانهيارات المالية مدمرة، والتعافي منها يستغرق سنوات. لذا، يُعدّ تحديد مَواطن الضعف قبل تفاقمها أمراً بالغ الأهمية، وقد تحسّنت البنوكُ المركزية والمؤسسات المالية والحكومات في رصد هذه المخاطر. ومع الانتباه إلى المخاطر، من الضروري أيضاً عدم إغفال حقيقة أن العقود الأخيرة شهدت استقراراً نظامياً، وهذا من شأنه أن يُخفف بعضاً من وطأة المخاوف في عالمٍ مليءٍ بها.
زاكاري كارابيل*
*كاتب ومستثمر
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


