فضاء الحياة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في طَوْر الحياة، تسكننا ذكرياتنا، على مدى سنوات تُداول بيننا، فلا تتوارى، وتموج ما بين تجليّات ماضية، وماثلة لا تغيب، على مدى الوجود، تشغلنا كلٌّ على حدة بذكرياته، وكأن لنا فيها حياة تفتن المشاعر، وتؤصّل مشاهد، من فضاء المكان، إلى ديناميكية حراك الإنسان، وكأنها تُحصي الأمر بدقة، تمضي في سنوات مقترنة، من اكتشاف الذات، في مرامٍ متعددة، بفرحتها تشبع حياتنا، بما يودّ الإنسان أن يتذكر ويسعى، ويبلور أحاسيسه ورؤاه، فمهما كانت من تقسيمات جلية وأهوال، ترى الذكريات ماثلة، تشدّ رحالنا بها، أليست هي التي أكسبتنا حياة البدء، وتدرّجت بنا في زمام زماننا، بحلوه ومرّه، وبطيش وتمرّد، وهدوء ورزانة بالحضور، أليست ذكرياتنا، هي ماضي القيم والأثر، معنونة في نماء روح الجسد وفضاء الفكر.
وهي المعرفة المتوالدة، في حياتنا دون سابق دراية منا، تعشعش فينا، تُشكّلنا تشكيلاً آخر، من حيث ندري أو لا ندري، وهي من بوادر النضج النفسي والروحي والخيالي، وهي حزمة من الأحلام تطوّقها السنون، تطويقاً جميلاً، وتتعاقب بمدى الحياة، بل هي الملحّة، تخلد في هويتنا اليومية، بمثالية ناصعة البياض، تختلق فينا وتتجسّد، في فضائنا الثقافي، وفي مساراتنا الدنيوية، تغرس فينا كينونة من المشاعر، وتهمس في حياتنا الواقعية، ما يتجلّى من مصدر إلهامنا.
تشغلنا ذكريات الأمس، مؤلمة كانت كفقد أعزاء، ترويها بحنين القلب، إلى ملامح رحلت، روايات لهم ماثلة تستجديها، وذكريات فرحة، تجسّد لحظات لنا طفولية، فمنذ بداية الحياة ووقعها تروينا بما تُنبت لنا، من صداقات متقاربة، نحلّق بها بعيداً، لنكتب وجودنا، ونحن في انجذاب وأمل، نحو ما نتشابه، من أقران البشر، وقد تتصادف الصداقات بيننا، يا لها من ذكريات متجددة، تُشيد الأحلام فينا.
وتصحو بالجسد، وتُضمّد حالات الانكسار، وتنأى باليأس بعيداً، وتبتدع الحياة الأجمل كلما أيقن الإنسان في صحو الذكريات، ما يُفضي بالشعور المتنامي ومصوَّب نحو الشفاء، من تداعيات.
ذكريات تعنون المدى، كلما استشرفنا فيها، بما تُجسّد مدنٌ مررناها بلمحة عين الطائر، تعيد لنا السفر والترحال، تروي شغفنا أمام ملامح تتوارى خلف عتبات الزمن، تتوهج في الائتلافات الروحية، في تماس القلوب، بهاجس المشاعر الإنسانية، نتشابه في مزارات الوجد، نحتمي بها، في دواخلنا كلما كبرنا، ونتحصّن في لهفتنا في لحظاتنا القادمة، نتوق إلى موسيقى قديمة، لحنُها يبتدر بأصوات لا تُنسى، مخملية، ورائعة، أي جماليات في الحياة تسبقنا إليها وترفرف بنا، أسميتها دبلوماسية الجسد، في رؤية الذكريات، بسماتها الناعمة، تطهّرنا من المعاناة، وتُعيد فصول السلام والاستقرار الروحي والاجتماعي، مهما مضى الزمن بنا نَعُدْ نحو سكينة الذكريات.



إقرأ المزيد