جريدة الإتحاد - 4/9/2026 12:23:17 AM - GMT (+4 )
ما يفصل عادة العبقرية عن الجنون خيط رفيع، إذ يتمرد كلاهما على السائد ويثور على النمطي، والعبقري هو من يرى ما لا يراه الآخرون، وهو من يطرح أسئلة يعتبرها غيره شذوذاً بل وضرباً من الجنون.
هذه العبقرية هي ما ورثه بيب جوارديولا ولويس إنريكي عن المعلم الأول يوهان كرويف، وبها اهتديا معاً إلى ما استحال على غيرهما الوصول إلى عتباته، الابتكار والتجديد.
طالعت مؤخراً حواراً للويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان، قال فيه إن حلمه الأكبر هو أن يرى لاعبيه قادرين على شغل جميع المراكز داخل الملعب، وفي ذلك يتطلع لأن تتشكل، جراء ذلك أشكال هندسية، عبارة عن مثلثات لعب في كل زاوية من أرضية الميدان، من حارس المرمى وصولاً إلى المهاجم الصريح، مع إمكانية تبادل الأدوار بينهم في أي لحظة. لكن، هل تمثّل هذه الفكرة ثورة حقيقية أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
بعيداً عن أحلام الثراء أو الرفاهية، يحمل لويس إنريكي رؤية مختلفة لكرة القدم، أقرب ما تكون إلى «اليوتوبيا التكتيكية». فقد قال: «أتمنى أن أمتلك لاعبين قادرين على اللعب في كل المراكز. نونو مينديز كظهير، كجناح، بل وحتى كمهاجم رقم 9. تخيلوا فريقاً كاملاً من لاعبين يجيدون كل الأدوار. كيف سيكون وقع ذلك على الخصم؟».
رؤية قد تبدو فوضوية من الوهلة الأولى، لكنها قد تتحوّل إلى نظام متكامل إذا ما تم ضبط تفاصيلها بدقة، قد تصبح معزوفة رائعة، إذا ما تكاملت مقاطعها من دون نشاز يظهر عليها.
هذه الفلسفة الخلاقة، التي تتمرد على المعتاد، لا ينفرد بها لويس إنريكي لوحده، بل يتقاسمها معه مواطنه وشريكه في التعلق بالفيلسوف الأول كرويف، العبقري بيب جوارديولا الذي أرسل البشارات الأولى لهذه الفلسفة، خلال فترة تدريبه لنادي بايرن ميونيخ، حيث اعتمد على لاعبين متعددي الاستخدامات.
هذه الفلسفة تجد جذورها في «كرة القدم الشاملة» التي ابتكرها الهولنديون، حيث يفرض أسلوب اللعب القائم على التمركز مرونة تكتيكية عالية. فالدفاع قد يتحول إلى هجوم في لحظة، ولاعب الوسط قد يتراجع لتغطية المساحات، بينما يتقدم الظهير إلى العمق. غير أن هذا النظام المركب، يتطلب انسجاماً مثالياً، كما شاهدت كرة القدم مجسماً له مع العبقري الأرجنتيني مارسيلو بيلسا خلال تجربته مع نادي مارسيليا، حيث كان كل تفصيل محسوباً بدقة متناهية.
في المقابل، فإن أي خلل بسيط قد يؤدي إلى انهيار المنظومة بكاملها، وهو ما ظهر مؤخراً في تجارب بعض المدربين، حيث أدى التغيير المستمر في المراكز إلى فقدان التوازن داخل الفريق.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل من الأفضل الاعتماد على لاعب متعدد الأدوار بمستوى متوسط، أم على لاعب متخصّص ومتفوق في مركز واحد؟
وهل ما زال مبدأ «جيد في كل شيء، لكنه ليس مميزاً في شيء» صالحاً في كرة القدم الحديثة؟
في النهاية، تظل فكرة لويس إنريكي سلاحاً ذا حدين: قد تصنع فريقاً لا يمكن التنبؤ بأسلوبه، أو تتحول إلى فوضى تكتيكية يصعب التحكم فيها. لكن المؤكد أن كرة القدم، كما أرادها إنريكي، تتجه أكثر فأكثر نحو عالم بلا حدود لا وجود فيه للمراكز التقليدية.
إقرأ المزيد


