حالة الحرب والطمأنينة المجتمعيّة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عطفاً على المقالة الماضية التي عرضتُ فيها مقتطفات من كتاب الحكيم والفيلسوف العسكري الصيني «سون تزو»، والمعروف تحت عنوان «فن الحرب»، والذي يُعد من أهم الأطروحات والمصادر الأساسية في هذا المجال، أشير مجدداً إلى أن الحرب بالمعنى الفلسفي حين تصبح ضرورية، وعندئذ فإنها تلقائياً تكتسب قيمتها الأخلاقية ضمن قواعد الاشتباك والقوانين الدولية، إذ ما من استقرارٍ من دون حرب حين تستنفد أساليب التفاوض والحوار قدرتها على الحل.

وفي كتابه آنف الذكر يرى الفيلسوف تزو أنه «من العوامل المرجّحة للنصر، المعنويات والطاقة الفكرية والجسدية، والبيئة والظروف الجوية والتخطيط والمال، والنظام والتدريب والمكافآت والعقوبات، وشخصية القائد، والنظام العام، والسياسة، والقانون الأخلاقي، أي التعاقد الأخلاقي بين القيادة التي تعمل لصالح الشعب والشعب الذي يقدم لها الولاء والطاعة.. هذا التعاقد هو ما يدفع الأفرادَ لاتباع أوامر القائد العام دون تردّد، ودون خوف من العواقب.

التدريب المستمر يجعل الضباط مستعدين للحرب، غير مترددين أو قلقين، كما أن القائد سيكون مستعداً كذلك بدوره. إذن السياسة هي ذلك الشيء الذي بواسطته ومن أجله يكون الشعب في انسجام وائتلاف مع السلطة العليا». ثم يؤكد الفيلسوف تزو في موضع آخر من كتابه أن ذلك الاتجاه «يجعل أفراد المجتمع يتبعون القيادة غير مبالين بحياتهم الشخصية، ودون أدنى تفكير في اللجوء إلى الخيانة.

أما التأثير المعنوي للسياسة بهذا المفهوم فيعني تعايش الشعب مع زعمائه في وئام، بحيث إن الشعب سوف يشارك زعماءَه في الحياة حتى الموت دون أن يخشى خطر الفناء.. ومن هنا يكون التركيز على مسألة القيادة وأهميتها لتحقيق النصر في الحرب». وحين نستعيد تصريحات القادة الشجعان الذين حموا أوطانهم نرى فيها القوّة والعزيمة، وقد لمسنا ذلك حين تحدّث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لمجتمع الإمارات بمواطنيه ومقيميه، فطمأنهم بكل حزمٍ وحرصٍ، وقال: «أوعدكم نحنا بنرجع أقوى».

وهذا هو أساس فكرة القيادة العليا الحيويّة الشجاعة التي تجعل الجميع في حالةٍ من الراحة والطمأنينة التامة. لقد علّمنا التاريخ أن الحرب تنتج وقائع مختلفة وأساليب متنوعة، وثمّة حروب ضرورية يفرضها التاريخ، وتُوجبها صيرورةُ الحياة، بغية تشكيل أنماطٍ أخرى. كما أن ثمة فرقاً شاسعاً بين الحروب الضرورية التي تقودها الدول، وبين الممارسات الميليشياوية التي تقترفها الفصائل.

في الأولى تأخذ الحربُ حيّزَها السياسي، أما في الأخرى فتقود الأيديولوجيا كل بواعث الحرب، وهنا تكمن الكارثة. إن الحرب التي نشهدها اليوم قد تكون أساساً لتمكين التاريخ من الشهادة على الواقع، ومن دون الصراعات التي تحدث في مراحل مختلفة من التاريخ، فإن الحالة البشرية تغدو منتظرةً لمستقبلٍ مجهول. بالحروب تنشأ توازنات ويتغيّر ميزان القوى، وما تكون الكفّة على رجحان واحد دائم، حيث تتبدَّى صورةُ المستقبل لأجيالٍ متلاحقة.

العالم كان بحاجة ماسة إلى أقطاب جديدة وأحلاف مختلفة وفضاءات غير اعتيادية، لذلك سيتغير الوضع الاقتصادي والسياسي بشكل كبير انطلاقاً من هذه التطوّرات. والخلاصة، أننا أمام عالم جديد يتشكّل، والحروب تدخل ضمن الحتمية التي تفرضها حيوية الزمن، وكثيراً ما كانت أساساً لتحريك عَجَلة التاريخ.

*كاتب سعودي
     



إقرأ المزيد