جريدة الإتحاد - 4/17/2026 12:22:55 AM - GMT (+4 )
كانت امرأة إذا عدّوها، عدّوها عن ثلاثة رجال، كانت تعمل كل شيء، ولا يخدش أنوثتها حتى العمل الرجالي، حتى الفزعة في شبابها كانت أول الملبين إذا ما نقع الصايح، لذا عزف كثير من الرجال الارتباط بها، مرددين: منو يروم على قواة رأسها؟ خاصة بعد ما يتسامع الناس أنها جربت مرة تسوق «فوزة» الماء، بعد ما ترجت سائقها اليمانيّ أن يعلمها كيف تبدل الغيار، يومها النساء يضنّ عليها وعلى فعلتها، ونعتوها بـ «قواة الويّه»!
في البداية جلست تحت سدرة العويد تبرّز مع بعض النساء، وتبيع حاجياتها البسيطة على المراجعين والمراجعات لمستشفى «كَنَدّ» القديم أو يأتيها أحد طلبة المدرسة النهيانية القريبة من المستشفى إذا ما وصّاه أهله على شيء ضروري، يقولون له يمكن تلقاه عند «أم سعيد»، وسعيد هو ولدها الذي لم تنجبه، إنما هي أمنيتها، إن رزقها الله يوماً بولد لتسميه على اسم والدها الذي تركها صغيرة لا تتعدى العشر سنوات بعد ما جاءهم خبره بأنه طبع في البحر وغرق مركبه وهم قادمين من «كالكوت» فانتقلت مع أمها من الساحل إلى بيت أهل أمها في أم سبع البلادين، وعاشت هي تكد على أمها والبيت، وأمها تساعدها في الخياطة وتحضير ما يلزم البيوت من حاجيات تخص المأكل، مثل سمن الدار أو السمك المجفف والمالح أو سحناه مدقوقة أو تخص النساء من عطور وبخور وملابس، بعدها انتقلت مع بعض النساء إلى السوق الجديد، وكان لها مكان يقصده الناس كل يوم، وكبّرت بسطتها، حتى غدت تبيع السمك الطري، وخضراوات تورد لها من سوق البريمي، صار لها اسم كبير في السوق وكل فرد جلب بضاعة ولم يتمكن من بيعها يضعها عندها وتقاسمهم الربح حين بيعها حتى صار دكانها أكبر دكان فيه كل شيء من «ميوا» البيت، وقوس التمر، وحتى السبوس والسخام، فاستعانت بمساعد من «الباتان» هو البائع وهو الحمّالي وهو الحارس، كان لوحده يزاحي قوسة التمر، ونصيفية الطحين يغّلاها على ظهره بحركة خاطفة.
«أم سعيد» اشترت أول سيارة «جيب كشف» من «تفنيش» جيش «تي. أو. إس» لتنقلاتها ونقل بضائع وأشياء الدكان والبسطة، لكن الذي أذهل الناس حين رأوها من جديد تسوق تلك السيارة العسكرية ببرقعها و«عجفة الشونكي» في الشوارع الرملية، وتصبّح من الفجر مصطفة عند «الجبره».
وصل الجز بيتها وأمها، وقضّوا تلك العرشان، وتفرقت الحارة، وقبضت التعويض، وخصصوا لهما بيتاً شعبياً في «الياهلي»، سلمت «الباتاني» دكان الجبرة، وأوصته بأربع كلمات فقط: «آه.. ها أحد يضحك عليك»!
سافرت «بمبي» لعلاج أمها، وهناك انفتح لها عالم آخر من التجارة والشراكة مع تجار «بمبي»، وأصبحت تتعهد كل شيء من هناك، ترشيح زوجات للمسنين، مستلزمات «الزهبة» بكاملها، ما يخص العروس وأمها والعريس، وفتحت محلاً آخر جديد في أول العمارات الصغيرة التي ظهرت عدال المطحنة مع ولدي تاجر من «بمبي» يدعى «الحاج عبدالرؤوف» هو صرّاف وبائع عود وعطور، وأقمشة ووزره وغتر شال، ودليل للمرضى المتعالجين في مستشفيات الهند، و«أم سعيد» كل زيارة تزيد معه من التجارة.
صارت «أم سعيد» تلق وتصلق من البرسيم والذهب وخِنّة الطيب، وغيرت سيارتها القديمة لسيارة «صالون» وارد أميركا طويلة، وكانت تسوقها، ونساء أم سبع البلادين ما زالوا يتعجبون منها، لكنهم كفّوا عن القول: «والله.. قواة ويّه»! وإن قالوا، وسمعتها، تسمع صهيل «أم سعيد» من بعيد.
إقرأ المزيد


