جريدة الإتحاد - 4/22/2026 10:20:07 PM - GMT (+4 )
ليست كل الأزمات وليدة نقص في المعلومات، فأحياناً تكون المشكلة في وفرة الحقائق، وعجز العقل عن تحمّلها. وهنا تظهر حالة يمكن تسميتها «الجهل الاختياري»، حين يختار الإنسان، بوعي أو من دون وعي، ألّا يرى ما لا يمكن إنكاره، لأن رؤيته تهدّد صورةً يحبّها عن نفسه أو عن العالم. تُفسَّر هذه الحالة في نظرية «التنافر المعرفي» لليون فيستنغر، التي تقول إن الإنسان يشعر بتوتر نفسي عندما تتصادم معتقداته مع الوقائع، وللتخلص من هذا التوتر، لا يغيّر الإنسانُ دائماً قناعاتِه، بل قد يغيّر تفسيرَه للواقع نفسه، أو ينكره، أو يشكّك في مصدره. المشكلة ليست في العجز عن الفهم، بل في الخوف من الفهم ومن نتائجه، خاصة عندما يتعلق الأمرُ بالدفاع عن الهوية والاعتقاد والدين والوطن والاقتناعات الموروثة.. عندها يصبح النقاش مستحيلاً. الأرقامُ لا تعود أرقاماً، بل مجرد «وجهة نظر». الإحصاءاتُ تُوصَف بأنها «مسيّسة» وغير دقيقة. الشهادات تُختزل في «روايات معادية». ويظهر ما يسمى «التحيّز التأكيدي»، أي الميل إلى قبول ما يدعم قناعاتنا المسبقة ورفض كل ما يناقضها، مهما بلغت قوته.
وفي هذه الحالة، لا تتم مناقشة الواقع، بل يُرفض ويُقاوم، لدرجة أنه عندما تقدم لمَن اختار «الجهل الاختياري» دلائل واضحة عن فشل اقتصادي أو تراجع ثقافي أو ضياع اجتماعي، يُجابَه بخطاب بديل لا علاقة له بالحاضر، ويسهب في التكلم عن أمجاد الماضي، وعبقرية التاريخ، ونظريات مؤامرات الخارج، وحسد الآخرين. وكأن استدعاء التاريخ يصبح وسيلةً للهروب من مواجهة الحاضر.
الشيء الأخطر في هذا الوضع المنتشر أن «الجهل الاختياري» يتزيّن أحياناً بلغة معقدة وتحليلات مطوّلة. يُجادل أصحابه بعنف فكري في أمور بديهية، ويُغرقون النقاش في تفاصيل جانبية ليتفادوا السؤالَ الأساسي، ما يسمى «العقلنة الزائفة»، أي استخدام منطق ظاهري لتبرير موقف غير مقبول، وغير أخلاقي أو غير واقعي.
في ذروة هذا العمى، قد يصل الأمر إلى تمجيد العنف، فتُقبل بل وتُبرر أفعال جماعات إجرامية وإرهابية، قامت باغتصاب النساء، وقتل المدنيين، واختطاف الرضع، وتدمير المجتمعات التي تزعم الدفاع عنها، وتقدم هذه الأفعال بأنها «عبقرية عسكرية» أو «ملاحم مقاومة»، وكأن الأخلاق تفصيل ثانوي، وكأن القضية العادلة يمكن أن تُحمَل على أكتاف الإرهاب دون أن تتلوّث به. هنا، لا يكون العمى في عدم رؤية الجريمة، بل في التفلسف في إعادة تعريفها بحيث لا تعود جريمة.
ومن علامات الجهل الاختياري التقليل من قيمة ما هو ثابت، فيتم تجاهل الأدلة لصالح الأمنيات، وتُهان الإحصاءات لصالح الرغبات، وتُرفَع الشعارات فوق الإنسان. يُسمّى هذا في علم النفس الاجتماعي بـ «التفكير الدافعي»، حين يُستخدم العقل لا للبحث عن الحقيقة، بل لحماية ما نريد تصديقه، فتصبح الرغبة أقوى من الحقيقة.
ونتيجةُ الجهل الاختياري حالة من الجمود الفكري والإنساني معاً، وكل مَن يحاول فتح نافذة لهم يُتّهم بالتحيز أو بالعمى أو بعدم الفهم أو بالخيانة. المفارقة أن اتهام الآخرين بالعمى يصبح، هنا، حيلة وآلية للدفاع عن النفس.
لا تُعالَج هذه الظاهرة بالحوار، ولا بالنقاش، فالتجربة تُظهر أن المواجهة تَزيد مَن يسلك هذا المنحى تصلباً وعناداً، بل الأجدى هو تفكيك الفكرة لا مهاجمة الشخص، لأن الهجوم على الهوية يغلق باب التفكير، عبر طرح الأسئلة بدل إملاء الحقائق، وتقديم الدلائل، لأن السؤال الهادئ أقدر من الخطاب الحاد، ومحاولة إعادة مركزية الإنسان، لأن أي قضية تبرّر إهانة الإنسان تفقد معناها، مهما كان شعارها.
وهذا مع العلم بضرورة حماية الذات، فأحياناً قد يكون الانسحاب من النقاش ضرورة عقلية، للحفاظ على الذات، فليس كل عقل مستعداً للرؤية.
إقرأ المزيد


