جريدة الإتحاد - 4/22/2026 11:12:20 PM - GMT (+4 )
في جلسة نادي دبي للصحافة، وضع معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، إطاراً إماراتياً واضحاً لقراءة الحرب الإيرانية على الخليج العربي قبل 28 فبراير وبعده.
فالمسألة لم تَعُد مجرد أزمة يمكن تبريدها أو احتواؤها بجرعة دبلوماسية جديدة، بل تهديداً انكشف على حقيقته في السلوك الإيراني نفسه. لذا لم يعد ممكناً الحديث عن عودة تلقائية إلى ما قبل الحرب، ولا عن استئناف للعلاقات بالوتيرة السابقة من دون مراجعة ومصارحة وضمانات واضحة. هذا هو جوهر الموقف الإماراتي بعد 28 فبراير.
فالإمارات لا تُغلق بابَ السياسة، لكنها لا تمنح الثقة مجاناً. وفي هذا المنظور، لا قيمة لأي اتفاق مقبل، إنْ كان مجرد تأجيل للمشكلة أو إعادة إنتاج لها بعد أشهر. المطلوب ليس تهدئة شكلية، بل ترتيباً يضمن عدم تكرار العدوان، ويضع قيوداً واضحة على مصادر التهديد، من البرنامج النووي إلى الصواريخ والمسيّرات، ويُعيد حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى أصلها الطبيعي، بعيداً عن الابتزاز والتهديد.
ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ. فبيان جهاز أمن الدولة الأخير، بإعلانه تفكيك تنظيم إرهابي مرتبط بولاية الفقيه، كشف أن التهديد الإيراني لا يقف عند الاعتداءات الغاشمة، بل يمتد إلى الداخل أيضاً عبر التنظيمات السرية والولاءات الخارجية ومحاولات المساس بالوحدة الوطنية والسِّلم المجتمعي. وبذلك لم تَعُد القضية محصورة في عدوان خارجي مباشر، بل في نمط سلوك يجمع بين الضغط العسكري في الخارج ومحاولات الاختراق في الداخل لإرباك الدول واستنزاف المنطقة.
وهنا تظهر أهمية الصياغة الدقيقة في بيان جهاز أمن الدولة. فالقضية لا تتصل بمذهب أو شريحة اجتماعية، بل بتنظيم سري ذي ارتباطات خارجية سعى إلى المساس بأمن الدولة ووحدتها الوطنية. وهذا ما يفسّر حرصَ الإمارات على أن يكون التعامل مع مثل هذه القضايا أمنياً وقانونياً ومجتمعياً في الوقت نفسه، بحيث يُحبط الخطر من جهة، ويُحمى التماسكَ الوطني من جهة أخرى.
فالمطلوب هنا ليس فقط تفكيك التنظيم، بل منع أي محاولة لاستخدام الانتماءات والولاءات الخارجية مدخلاً إلى زعزعة الاستقرار من الداخل. وتؤكد هذه القضية أيضاً أن الإمارات كانت سبّاقةً في إدراك طبيعة التهديدات التي تتسلل من الداخل عبر التنظيم السري والاستقطاب وبناء ولاءات تتجاوز الدولة الوطنية، كما ظهر سابقاً في التعامل مع الخلايا الإخوانية.
غير أن ما تكشفه التحقيقات الأخيرة يضيف بُعداً آخر، لأن الأمر لا يتعلق فقط بولاء تنظيمي عابر للحدود، بل بارتباط مباشر بمشروع خارجي تقوده دولة معادية تسعى إلى اختراق المجتمعات.
وهنا تتضح حرب السرديات بأوضح صورها. ففي جزء واسع من الوعي العربي والإسلامي استقر طويلاً أن إسرائيل هي العدو الأول في المنطقة، لكن ما جرى في الخليج فرض قراءة مختلفة. فتعريف التهديد لم يَعُد يُبنى على التصورات المسبقة، بل على الوقائع المباشرة. إيران هي التي استهدفت دول الخليج بآلاف الصواريخ والمسيّرات، وهي التي استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط، واليوم تُظهر التحقيقات أن هذا التهديد لم يتوقف عند الخارج، بل امتد إلى الداخل أيضاً. لذا فإن إعادة تعريف الخطر في الوعي الخليجي ليست انفعالاً سياسياً، بل نتيجة مباشرة لما وقع فعلاً. ومع ذلك، بقيت الإمارات متماسكة وواضحة فيما تريده بعد الحرب.
فالقيمة في هذه القراءة لا تكمن في توصيف ما حدث فقط، بل في رسم البوصلة الإماراتية للمرحلة المقبلة. لا عودة إلى الوراء، ولا قبول بسلام منخفض الكلفة على المعتدي، ولا فصل بين أمن الملاحة وأمن الدولة والوحدة الوطنية. فبعد 28 فبراير لم تعد القضية في إطفاء الأزمة مؤقتاً، بل في منع تكرارها. وهذا هو التحدي الذي تضعه الإمارات اليوم أمام أي مسار سياسي جدّي، إقليمياً ودولياً، في مرحلة ما بعد الحرب.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


