كيف تصوغ الإمارات انتصارَها الخاص؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يتجاوز مفهوم الانتصار حدودَ لحظة الاشتباك، ويتشكّل في عمق القدرة على صون الكيان واستمرار الفعل العام بثقة وثبات. وتتجلّى معانيه في صلابة الدولة، حين تحافظ على توازنها، وفي مهارة الإدارة حين تستأنف مسارها دون اضطراب، وفي وعي القيادة التي تجعل الاستقرارَ عنوانَ المرحلة وغايةَ الفعل السياسي. قدّمت التجربةُ الإماراتية نموذجاً مكثّفاً لمعنى الانتصار الحديث، إذ عادت الدولة في يومها التالي أكثر تماسكاً وحضوراً، كأنّ الحدث العاصف أعاد تأكيد قوتها الكامنة.

وقد لفت الأداء الدفاعي أنظارَ العالم، حين ظهرت منظومةٌ متكاملةٌ تجمع بين التقنية المتقدمة والانضباط العملياتي، في مشهد رسّخ صورة دولة تمتلك زمام المبادرة حتى في لحظات الاختبار القصوى. شهدت المواجهةُ إطلاقَ أكثر من 2770 صاروخاً باليستياً وطائرة مسيّرة، في واحدة من أعنف الهجمات الجوية خلال العقود الأخيرة، غير أن منظومات الدفاع الإماراتية نجحت في اعتراض ما يزيد على 96% منها، محققةً أعلى نسبة تصدٍ مسجلة في نصف قرن.

وقد عكست هذه النتيجة مستوى الجاهزية المتقدمة للقوات المسلحة، التي بنت قدراتِها وفقَ أحدث العقائد العسكرية، معتمِدةً على تكامل الرصد المبكر، ودقة الاستجابة، وتنسيق العمليات ضمن منظومة دفاعية عالية الكفاءة. وبرز مجتمع الإمارات في قلب الحدث بوصفه شريكاً أصيلاً في صناعة الصمود، حيث تجلّت وحدة الصف في أعلى صورها، وظهرت معاني الولاء والانتماء في سلوك الأفراد والمؤسسات.

وقد أسهمت التنشئة الوطنية العميقة في ترسيخ هوية جامعة تتقدّم على سائر الانتماءات، فغدا الالتفاف حول الدولة ممارسة يومية واعية.

وفي ظل هذا الوعي، تحوّل المجتمع إلى جبهة متماسكة تعزّز مناعة الدولة، وتمنحها عمقاً استراتيجياً يتجاوز حدود الجغرافيا.وأظهر الاقتصاد الإماراتي قدرةً لافتة على التعافي السريع، إذ استقطبت الدولة خلال أربعين يوماً استثمارات بقيمة 52 مليار درهم، فيما ضخت صناديقها السيادية نحو 34 مليار درهم في الأسواق العالمية. وعكست هذه الأرقام ثقةَ المستثمرين، وقوة البنية الاقتصادية في مواجهة التقلبات. كما حافظت منظومة الخدمات في الدولة على كفاءتها العالية، حيث استمر تدفق الماء والكهرباء بصورة مستقرة، وبقيت الأسواق في حالة توازن، مدعومةً بمخزون غذائي ودوائي وفير. كما واصل التعليم الرقمي أداءَه بكفاءة، معزّزاً استمرارية العملية التعليمية. وفي هذا السياق، بدت الإمارات نموذجاً لدولة تمتلك قدرة مؤسسية راسخة، تجعلها متماسكةً في مواجهة الأزمات، مقارنةً ببيئات إقليمية أخرى. وتجلّى الانتصار في بعده الأعمق عبرَ قدرة الدولة على قراءة المشهد الاستراتيجي بمرونة عالية، وتفعيل أدواتها الدبلوماسية بكفاءة لافتة. وقد أسهمت شبكة الشراكات الدولية التي بنتها الإمارات في تعزيز موقعها، مع تحقيق حضور واسع في بيانات الإدانة والتضامن الدولي. ويعكس ذلك نضجاً سياسياً يتيح إعادة تشكيل العلاقات الدولية وفق رؤية متّزنة تخدم المصالح الوطنية. وفي ظل الأحداث الراهنة، نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك تنظيم سرّي إرهابي يرتبط بولاية الفقيه، ضمن عملية دقيقة عكست يقظةً مؤسسيةً عالية. وقد أكّد هذا الإنجاز أن الدولة والمجتمع يشكّلان معاً حصناً متيناً في مواجهة أي اختراق فكري أو أيديولوجي. وفي هذا الإطار، تتعزز منظومة الأمن الشامل، حيث تتكامل الجهود لحماية النسيج الوطني، ولصون الاستقرار من كل ما يهدد تماسكَه. وتشير المعطيات إلى أن التوترات الإقليمية مرشحة للاستمرار، وأن مسارات الأحداث تحمل احتمالات عودة التصعيد وفق ما تؤول إليه التحولات الجيوسياسية.

غير أن اكتمال هذا النصر يبدو مساراً مرسوماً، في ظل وضوح الرؤية، وتوافر الأدوات، وقيادة فاعلة، وشعب يرفد الدولة بثقته وتماسكه. وهكذا تعيد الإماراتُ صياغةَ مفهوم الانتصار بوصفه فعلاً مركباً يجمع بين الصلابة والاتزان، ويترجم قوة الدولة في أحلك الظروف. وتتجسّد هذه الرؤية في ما عبّر عنه قائدها: «الإمارات قدوة.. جلدها غليظ ولحمها مرّ»، وتخرج من كل اختبار أكثر قوة ورسوخاً.

*كاتب إماراتي
    



إقرأ المزيد