جريدة الإتحاد - 4/26/2026 11:33:10 PM - GMT (+4 )
لبنان الدولة ينتعش بعد عقودٍ من الاختطاف، وهو يسعى بدعم خليجي قوي وأميركي جاد، لتجاوز كل تاريخه الحديث الذي عاثت فيه فساداً الولاءاتُ العابرة للحدود والطائفيات المتطرفة، منذ الحرب الأهلية وصولاً لسيطرة «حزب الله» على الدولة والحكومة واختطاف قرار السلم والحرب. «سعد حداد» كان ضابطاً لبنانياً دفعته تلك التداخلات في بلاده إلى اللجوء إلى إسرائيل، فاعتُبر عميلاً وخائناً لأنه تعامل مع دولة خارجية، بينما «حزب الله» اللبناني كان يعلن نهاراً جهاراً أنه عميلٌ لإيران وفرعٌ من سلطتها وجزء من عقيدتها، ولا تهمه الدولة اللبنانية ولا الشعب اللبناني، واستمر في اختطاف البلاد عقوداً من الزمن، ولم يكتب أحدٌ أنه يمثِّل الوجهَ الآخرَ لسعد حداد.
ولئن كان حداد خائناً فإن «حزب الله» اللبناني أكثر خيانة. أهمّ الأحداث في العالم حالياً هي الحرب الأميركية الإيرانية في الخليج العربي، وهي الحرب التي سترسم مستقبل المنطقة وتعيد ترتيبَ معادلات القوة فيها والتوازنات التي ستَنتج عنها. وهناك بعض مَن يحلو لهم خلط الأوراق أو تشتيت الوعي، فيحذّروا من خطر إمكانية حدوث فوضى في إيران بعد هذه الحرب. والفوضى في إيران خطرٌ محتملٌ مستقبلاً، هذا صحيحٌ، لكن أي نوعٍ من الفوضى وإن عتت وتوسعت لن تكون بأي حالٍ من الأحوال أخطر من نظامٍ بَنى عقيدتَه وأيديولوجيته على استهداف دول الخليج العربية عبر الحرب المباشرة مع عراق صدام حسين في الثمانينيات، أو عبر استخدام محكمٍ لجماعات الإسلام السياسي السنية مثل جماعة «الإخوان»، وكذلك تدريب ودعم تنظيمات العنف الديني السنية مثل «القاعدة» و«داعش»، وخلق الميليشيات المسلحة التي تمثل «توحش الأقليات». ومثلما جرى مِن قبل، فقد حذَّر البعضُ مِن أن سقوط نظام صدام حسين سيؤدي لفوضى خطيرةٍ داخل العراق وفي المنطقة، والحقيقة أن فوضى العراق كانت أقل خطراً من نظام صدام حسين نفسه، ولكن هذا لا يمنع إطلاقاً من الاعتراف بخطر انعدام الدولة هناك وتفلت الميليشيات المسلحة التي باتت تعتدي على حدود الكويت بالمسيرات، وهو الفعل الذي استنكرته كل دول الخليج العربية.
وهذه الميليشيات لها سوابقٌ مع دول الخليج وليس من مصلحة الأمن الإقليمي بأي حالٍ من الأحوال تمكينها من وسائل القوة والاستئساد. دول الخليج العربية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها ليست حائطاً قصيراً يمكن لأي دولةٍ إقليميةٍ أن تعتدي عليه بسهولةٍ، ومنظومات دفاعها الجوي أثارت دهشةَ المنطقة والعالم، وهي ما زالت تتبع نهجَ الحكمة والصبر تجاه الأحداث الساخنة، لكن الاستمرار في هذا النهج سيكون رهناً بتطورات الأحداث والتغييرات التي ستطرأ على المشهد قريباً.
خمسة عقودٍ من الزمن كانت كفيلةً بإيضاح العدو من الصديق في المنطقة، بالنسبة لدول الخليج العربية، وهذه الحرب كشفت أن بعض الأصدقاء لم يكونوا أصدقاء مخلصين فعلاً، بل كانوا أصدقاء الرخاء الذين يهربون في ساعة الشدة، وهذا أمرٌ يجب أن يكون علامةً بارزةً في كل سياسيات المستقبل بالنسبة لدول الخليج العربية. وكما أن للتاريخ منطقٌاً فللجغرافيا أيضاً حتميةٌ، ودروس التاريخ تأتي بالاستقراء، بينما حجج الجغرافيا تكون بالاستنباط المباشر والصريح. والدول لا تختار مكانها، كما أنها لا تنتقي زمانَها، لكن بإمكانها امتلاك الحكمة التي هي خلاصة العقل والخبرة، وهذه الأخيرة عصارة التجارب.
وعلى مَن يراقب هذه الحرب ومرحلتها المصيرية في المنطقة أن يستحضر الحكمةَ ويستخلص الدروسَ حتى يخرج أقوى مما كان. وأخيراً، فما أكثر ما يمكن قوله وتأكيده في مثل هذه الأحداث الكبرى والاستثنائية لدى مَن يفهم ويدرك، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


