مضيق هرمز.. من ورقة ردع إلى ورقة سيادة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قبل الحرب، كان نحو مئة وثلاثين سفينة تعبر مضيق هرمز يومياً. وفي أحد أيام الأسبوع الماضي، لم يتجاوز عدد السفن التي عبرته ثماني سفن.

فعلياً، لا قانونياً، يمرّ اليوم ما تسمح به طهران. فمنذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، تعمل إيران على تعطيل الملاحة والتحكم بجزء كبير من حركة المرور، وأطلقت النار على سفن قالت إنها خالفت المسارات التي أجازتها. وفي المقابل، تواصل سلطنة عُمان، بوصفها الدولة الساحلية الثانية المطلّة على المضيق، التأكيد أن حرية الملاحة تخضع للقانون الدولي، لا لإرادة طرف واحد.
وفي هذه الفجوة تحديداً يدور جوهر الصراع. فالسؤال لم يَعُد فقط مَن يستطيع إغلاق المضيق أو فتحه، وإنما ما إذا كانت إيران خرجت من الحرب بمجرد امتلاك القدرة على تعطيله، أم أنها تحاول اليوم تحويل تلك القدرة إلى دور معترف به في إدارته وتسعير خدماته.
وقد كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن خمسة مصادر، أن طهران حذّرت من أن أي ضربة أميركية جديدة ستُقابل باستهداف منشآت الطاقة والمصافي وشبكات الكهرباء والمياه وحقول النفط في المنطقة، بالتزامن مع اتصالات أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع مسؤولين في السعودية وتركيا وقطر وباكستان. 

وبعد ذلك اتصل ولي العهد السعودي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، داعياً إلى ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد وتحقيق التهدئة التي تمهّد لحلول دبلوماسية، فيما أكدت الرياض أنها ستردُّ على أي اعتداء يطال أراضيها. وفي الأول من أغسطس ألغى ترامب حملة قال إنها كانت ستكون «الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية»، مضيفاً أن دول الخليج طلبت منه التريّث.
ولا أرى في ذلك ضعفاً خليجياً أو تراجعاً عن التحالفات، بل تعبيراً عن أولوية حماية الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي، ورفضاً لأن تتحول أراضي الخليج واقتصاداته إلى ساحة تدفع ثمن قرار عسكري لم تشارك في صنعه. وفي السياق نفسه يمكن قراءة اتفاق الدفاع المشترك الذي وُقّع في مكة المكرمة في السابع من أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان، فهو يعكس اتجاهاً نحو تنويع مصادر الأمن، لا استبدالها.
وفي الوقت الذي كانت فيه حسابات الأمن في المنطقة تتغير، كانت معركة أخرى أكثر هدوءاً تجري حول مضيق هرمز. فقد أعلنت طهران، على لسان المتحدث باسم خارجيتها، اتفاقها مع مسقط على إحداثيات ممر ملاحي مقترح، وأن بياناً مشتركاً دخل مرحلته النهائية، لكنها شدّدت في الوقت نفسه على أن ذلك لن يؤدّي تلقائياً إلى إعادة فتح الممر قبل رفع الحصار البحري الأميركي.
في المقابل، تريد واشنطن العودة إلى نظام لا يتحكم فيه أي طرف بمسارات الملاحة أو بحق العبور، وترفض فرض أي رسوم على السفن. وهنا تكمن العقدة الحقيقية، لأنها ليست خلافاً على خطوط بحرية أو إحداثيات فحسب، بل على تعريف مَن يملك حق تنظيم المرور في أحد أهم المضائق الدولية في العالم.
فالقانون الدولي يمنع فرض رسوم عبور على المضائق الدولية، لكنه يجيز للدول الساحلية تحصيل مقابل خدمات فعلية، مثل الإرشاد البحري والمساعدات الملاحية وحماية البيئة. وقد يبدو الفارق لغوياً بسيطاً، لكنه في الحقيقة فارق سيادي بالغ الأهمية. ومن هذا المدخل تعمل طهران على طرح مقترحات تتحدث عن رسوم قد تصل إلى سبعة في المئة من قيمة الشحنة، وفق ما تناقلته تقارير إيرانية عن مسوّدة قانون لم تُقرّ بعد.
أما البيان العُماني الإيراني الصادر في يونيو، فقد أكد الالتزام بالمرور الآمن وفق القانون الدولي، مع التشديد في الوقت نفسه على السيادة والحقوق السيادية، وإنشاء فريق عمل مشترك لبحث الإدارة المستقبلية للملاحة والخدمات والتكاليف المرتبطة بها.
وهنا تكمن أهمية النص. فهو لا يُعيد الوضع ببساطة إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل يفتح الباب أمام واقع جديد، وإن كان هذا الواقع لا يزال محلّ تفاوض ولم يتحول بعد إلى قاعدة قانونية مستقرّة. وقد أدركت ذلك ثمانية من كبرى اتحادات الملاحة العالمية، فراسلت الأمم المتحدة معارضةً أي رسوم على المرور.
وهكذا انتقلت المعركة من البحر إلى النص، وربما تكون هذه المرحلة أخطر من سابقتها، لأن السوابق القانونية كثيراً ما تعيش أطول من نتائج الحروب نفسها.
وفي تقديري، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التوصل إلى تفاهم مؤقت، صيغ بعناية ليكون غامضاً بما يكفي لأن يقبل به الجميع. ممر ملاحي جديد لفترة محدودة، من دون رسوم في مرحلته الأولى، مع إحالة القضايا الأكثر تعقيداً إلى فريق عمل مشترك. ستعلن واشنطن أن الملاحة عادت، بينما ستقول طهران إنها انتزعت اعترافاً بحقوقها الساحلية، وسيقدم كل طرف الاتفاق إلى جمهوره باعتباره إنجازاً.
لكن يبقى من الضروري التمييز بين ما حدث فعلاً وما قد يحدث لاحقاً. ما حدث أن إيران اكتسبت قدرة على تعطيل الملاحة لا تستطيع أي تسوية مستقبلية تجاهلها. أما ما لم يحدث بعد، وهو جوهر التفاوض الجاري اليوم، فهو تحويل تلك القدرة إلى حق سياسي أو قانوني دائم.
فإذا استقر في الممارسة الدولية أن دولة ساحلية تستطيع أن تنتزع بالقوة أولاً، ثم بالمفاوضات ثانياً، دوراً تنظيمياً في ممر دولي وتحصل في المقابل على عائد سياسي أو مالي، فإن أثر ذلك لن يتوقف عند مضيق هرمز. فهناك مضائق دولية أخرى، ودول ساحلية أخرى، تراقب ما ستنتهي إليه هذه التجربة.
سيُفتح مضيق هرمز، على الأرجح، لكن ما سيبقى بعد الحرب ليس عدد السفن التي عبرته، بل القواعد التي ستنظّم عبورها.
والسؤال اليوم ليس إن كان مضيق هرمز سيُفتح، بل مَنْ سيكتب قواعد فتحه؟


*لواء ركن طيار متقاعد



إقرأ المزيد