معرض الكتاب ومصائر ثقافة القراءة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان معرض الكتاب في أبوظبي فرصةً ليس لتأمل الجديد من المنشورات فقط، بل وللقاء الأصدقاء والمثقفين وسماع المحاضرات والمداخلات في كلّ الأجنحة. تلفتُ الانتباهَ في المعرض ثلاثة أمور: أولها كثرة الروايات الجديدة والقديمة وكثرة الترجمات عن عدة لغات وبخاصةٍ عن الإنجليزية. وثانيها الاقتراب الحثيث بشتى الوسائل من الرقميات والذكاء الاصطناعي، مما يضع علامةَ استفهام أمام مستقبل ثقافة الكتاب. أما الأمر الثالث فهو شكوى أصحاب دور النشر من قصر وقت المعرض، والذي يرون أنه أثّر على المبيعات. 
لقد اشترى كلٌّ منا، نحن المدرِّسين، بين عشرين وثلاثين كتاباً. بيد أنّ المتعة الكبرى كانت في لقاء الأصدقاء وسماع المحاضرات وخوض النقاشات الكثيرة. أعجبتني بعض الروايات الجديدة، وكما سبق القول فإنّ الإنتاج الروائي صار كثيراً، وإنْ تفاوتَ في النوعية أو المستوى. لست ناقداً أدبياً، لكني منذ عدة عقود أقرأُ الروايات بالإنجليزية والعربية والألمانية. وصار المزاج تابعاً لمن يحصل على جائزة نوبل في الآداب، أو الجوائز الأدبية الأخرى في الإنحاء الأجنبية والعربية. ذلك أن ضخامة الإنتاج الروائي لا تسمح بالمتابعة الدقيقة لدى غير المتخصصين. 
وكنتُ قد شكوتُ من غلبة الترجمات إلى العربية في شتى مجالات العلوم الإنسانية. لكني سُررت في معرض أبوظبي لوجود ترجمات في الإسلاميات والفلسفة ودراسات القرآن والدراسات الفقهية والكلامية. بعض هذه الكتب عندي بلغاتها الأصلية. لكنّ طلبتي حتى الذين يعرفون الإنجليزية يفضّلون الترجمة والنصّ العربي. وهذا ما فعلته إحدى الطالبات حين أرتني ترجمةً لكتابٍ في الكلاميات كنتُ قد حدّثتُ الطلاّبَ عنه في أصله الألماني.

الآن يستطيع الطلاب الاطّلاع عليه دونما صعوباتٍ كبيرة لأنّ الترجمة جيدة. لا أكتم الإخوة القراء أنّ الدارسين الغربيين للشريعة والفلسفة والأخلاق ما يزالون ينتجون الكثير المتميز، وإن بقي بينهم مَن يمارس التحيزَ السافر. والذي نريده أن نكون مثل المستشرقين، الذين يتعلمون العربية وغيرها من اللغات السامية قبل كتابة دراساتهم. أما نحن فنريد من طلابنا، سواء في الفلسفة أو الدراسات الإسلامية، أن يعرفوا الإنجليزية معرفةً جيدةً، وسيكون ذلك مفيداً جداً في تدريس الأستاذ، وفي تأليفه. فالمتخصصون في دراسات الإسلام ما يزالون ينتجون الجديدَ والمتقدمَ في أحيانٍ كثيرة. ولا حرج في القراءة النقدية. والأمر في الفلسفة والأخلاق لا يختلف، وسنظل محتاجين للترجمات فيهما حتى نستكمل الدورةَ بإتقان الإنجليزية! 
وماذا عن ثقافة الكتاب الورقي ومصائرها؟ ظهر الورق قبل ألفين وخمسمائة عام وأكثر، واستُخدم للكتابة وتأليف الرسائل والكتب بمختلف اللغات.

لكن الصينيين كانوا أول مَن صنعه. ثم صار الجميع يقلّدون الغربيين في كيفية تطوير الصناعة بعد اختراع الطباعة، فازدهرت ثقافة الكتاب بشتى اللغات. وهي تمر الآن بمنعطف، لأن التقدم الرقمي يغيّر طرائقَ التفكير وأساليب المتابعة. بمعنى أنه بعد سنواتٍ لن تعود هناك حاجةٌ ملحاحةٌ للورق، فهل ينتهي الكتاب الورقي؟ لقد فكرت وفكر غيري في النصوص المسموعة والمرئية، لكن يبقى أن ذلك لن يكون كتاباً نقلّب صفحاته ونستمتع حتى بمنظره!  
إنّ الأجيالَ المقبلة، على الأرجح، لن تكون أجيالَ كتابٍ بل أجيال خوارزميات ورقميات. إذا بقي هناك حيزٌ للكتاب الورقي فسيكون محدوداً.

لن تتراجع المعارف، فإيلون ماسك يقول لنا إنّ الذكاء الاصطناعي ستتضاعف جودته عشرة أضعاف خلال أعوام قليلة. وهناك من يشكو من قلة القراء وبخاصةٍ في الأوساط العربية. وهذا لا يعود إلى أن أطفالنا لا يقرأون العربية. بل لأن كبارنا ما تعودوا على القراءة للتثقف: فمن ذا الذي سيفتقد الكتابَ وثقافتَه؟ فلنستمتع بالكتاب في دور النشر والمعارض، ولندع أجيالَنا المقبلة تفكر في كيفية اكتساب المعرفة والاستمتاع من غير طريق الكتاب! 

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية



إقرأ المزيد