في ليلة رأس السنة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ليلة رأس السنة، كانت العيون في لندن تتجه نحو ساعة بيج بن، تلك الساعة التاريخية التي توحدت والزمن عبر إشارات تشبه الأسهم، البيضاء، وتشبه السبابة المشيرة إلى وجه القمر، تصف جمالاً محتملاً، وتثير في النفوس نوازع البحث عن حياة في خضم عوامل التعرية القاسية، والتي تغرس أسنانها في جثمان الزمن، مثلما تفعل الضواري.
عند الساعة الثانية عشرة بالوفاء والتمام، صرخت الألعاب النارية، بألوانها الزاهية، الفسيفسائية، المدهشة، وتقلبت القلوب بين الضلوع، تبحث عن زمنها الضائع، وتطرح أسئلتها الوجودية، وماذا بعد؟
 لقد مرت أعوام، وعقود، وقرون، وهذا الإنسان الخالد، يطوي عباءة الزمن، بفرحة، تارة، وحزن تارة أخرى، ولكنه مستمر في الصراخ، وكلما مر عام، ومعه مرت أحداث، ومشاهد، مرت أشياء كثيرة في ضمير البشرية، ومعها مرت صور، ولقد أفزعني منظر كأنه الخيال الفج، وذلك الوجه الخارج من باب خيمة بلاستيكية، هي كل ما توفر لشاب في عمر الزهور اختار الشارع موئلاً، وانعدام المعنى فلسفة، صار يطل على العالم المحتشد استقبالاً للعام الجديد، لمحت في عينيه بريق ابتسامة ساخرة، وكأن به يقول للمحتفلين، وبم تحتفلون، إنه عام كسائر الأعوام، وأيام ستمر، مثلها والأيام التي سبقتها، ثم يخرج رأسه كاملاً من الباب البلاستيكي، وينظر إلى العراء من أمامه، وينفث كمية هائلة من دخان السجائر، عمرها قبل دقائق من إطلالته على العالم، وكان ينظر إلى السماء، وثم ينفث، وثم يقلب عينيه في الوجوه التي تمر من أمامه، وتلتفت نحوه، ثم تشيح بوجوم، فيقول: هذا هو العالم، فمهما فعل، ومهما بذل، فسوف يظل عالماً فضفاضاً تخرج من ثنيات سلوكياته، طفولة غاربة، وشيخوخة هاربة من ويح زمن أكثر غموضاً من موجات الأطلسي على سواحل المملكة المتحدة، التي تسابق الريح كي تصل إلى روميو وجولييت، لتقول للعالم (هذه وردة، سمها ما تشاء ستبقى عطرة) ثم تقفل القوس. 
حاولت الاقتراب من خيمة الرجل، لأكتشف سر هذه العزلة الرهيبة، ولكن الأجساد المتلاحمة، كانت تمنعني، وتقذف بإرادتي بعيداً عن مكان الخيمة، فأظل أبحث عنها، خلف جسور سميكة، من الجثث المتراكمة أمام الخيمة، وراودني سؤال، لماذا اختار هذا المخلوق هذه الخيمة البلاستيكية، والتي من شديد صفعات البرد، أصبحت مجرد جملة، نكرة، أمام الأسقف العالية، والأضواء التي تلون العاصمة البريطانية، بمداد التاريخ العريق لمملكة لم تغب عنها الشمس، حتى وإن طوت جدائلها خلف غيمة، شتاء أبى إلا أن يخلف مواعيده مع المطر، أو هكذا أرادت الغيمة، أن تستمر في منع البلل عن رموش، كادت أن تصرخ ويلاه، لماذا لا تغسلني الغيمة، من جفاف، واستخفاف؟



إقرأ المزيد