جريدة الإتحاد - 1/7/2026 3:57:37 AM - GMT (+4 )
بينما ينشغل العالم بوضع جداول زمنية للإنجاز التقليدي نختار نحن تفكيك المشهد من منظور أعمق. لسنا تجاه وضع خطط، بل نطرح تساؤلات جوهرية تمس صلب الوجود: كيف تتبلور هوية الموهبة وسط صخب المجتمع؟ وما هو الدور الأخلاقي والمعرفي للنخبة تجاه التميُّز؟ وكيف يتشكّل الوعي الجمعي للدولة، ليصبح الحاضنة الحقيقية لا لمجرد الإنجاز بل للنهضة الشاملة.
تُعد العلاقة بين الفرد المتميّز وبيئته المجتمعية واحدةً من أكثر القضايا تعقيداً في دراسات علم الاجتماع السياسي والإدارة الحديثة، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول القيم التي تحكم هذه العلاقة، واختبار القدرة المجتمعية على استيعاب الموهبة، وتحويلها إلى رافعة للنهوض، عوضاً عن اعتبارها تهديداً للاستقرار الزائف. إن السؤال الفلسفي هل يُطلب من النور أن يعتذر؟ يتجاوز كونه استعارة أدبية ليصبح مؤشراً حيوياً على صحة البنية التحتية للوعي الجمعي في أي دولة، حيث يشير إقصاء المتميزين أو تهميشهم إلى خلل بنيوي في معايير العدالة والكفاءة، وهو ما ينذر بتآكل الأمن المجتمعي وتدمير الثقة المؤسسية من الداخل.
في المجتمعات الصحية، يُكافأ التميُّز، ويحمى الاختلاف، ويُنظر إلى التفرّد بوصفه مصدر إثراء لا مصدر تهديد. لكن في مجتمعات تعاني هشاشة الوعي، ينقلب المشهد فيُنظر إلى الموهبة بعين الشك، ويفسر الوعي على أنه تمرد، ويختزل التفوق في كونه تهديداً لمكانات هشة لم تبنَ على كفاءة حقيقية. وفي هذه الحالات لا ينجو الأفضل، بل الأقل إزعاجاً، لا يكافأ الأكثر إنتاجاً، بل الأكثر صمتاً أو الأكثر ضجيجاً حسب السياق. وتتحول الأنماط العادية إلى ملاذ آمن، بينما يصبح التميُّز مخاطرة وجودية.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً خطيراً: هل أصبح المتوسط هو النموذج المريح، لأنه لا يطرح أسئلة؟
ومعاقبة الوعي ليست مجرد مصادفة، بل هي آلية دفاعية تلجأ إليها المجتمعات والمنظومات التي استمرأت الحلول السهلة والنتائج السطحية، فالوعي بطبعه كاشف، يمزّق أقنعة الزيف، ويضع الجميع أمام مسؤولية التغيير، وهو أمر مرهق لمن يفضلون الاستقرار الراكد على القلق المبدع.
لقد أصبح المتوسط هو النموذج المثالي، لأنه لا يثير الشغب الفكري ولا يطرح أسئلة وجودية تربك التوازنات القائمة على الاستهلاك. في هذا الزمن، ينظر إلى العمق كأنه تعالٍ، وإلى الجودة كأنها عبء، مما خلق بيئة طاردة للعقول التي ترفض السائد. مفارقة مريرة عندما يُحتفى بالرداءة لأنها مألوفة ومريحة، ويحاصر الوعي لأنه يطالب المجتمع بأن يكون أفضل مما هو عليه.
إنها ضريبة يدفعها كل من رفض أن يكون نسخة باهتة في قطيع يسير نحو التنميط، حيث يعتبر الجهل حصناً، ويصبح الفهم تهمة تستوجب العزل أو السخرية لتظل الرداءة هي العملة الوحيدة المقبولة في سوق القيم الزائفة.
الأمن المجتمعي لا يبنى فقط بالقوانين، بل يبنى أولاً بالثقة. والثقة لا تزدهر في بيئات يسودها الغموض، وتُدار فيها القرارات خلف الأبواب المغلقة، وتقاس فيها الإنجازات بمن يعلو صوته لا بمن يُتقن عمله.
المجتمعات لا تنهض مصادفة، بل تنهض في ظل إدارة تستمع جيداً للأصوات المختلفة معها، حيث إنها لا تخشى الاختلاف، بل تستثمر فيه وتفهم أن الأمن المجتمعي لا يتحقق بإقصاء المتميزين، وتدرك أن الاستقرار لا يعني الجمود وتؤمن أن العدالة في الفرص هي أساس الولاء والانتماء.
الخروج من هذه الإشكالية لا يكون بالإنكار ولا بالتبرير، بل بخطوات واضحة من أهمها إعادة تعريف النجاح ليقاس بالأثر، لا بالضجيج، وبالجودة لا بالانتشار. بالإضافة إلى ترسيخ الشفافية المؤسسية في التوظيف، التقييم، والترقي، بحيث تصبح الكفاءة معياراً لا استثناء.
والخطوة الثالثة والتي هي الأهم وتتمثل في حماية المتميزين لا ترويضهم عبر بيئات آمنة تحفّز التفكير، وتحتضن النقد البناء.
النجاح الحقيقي لا يكمن في إبقاء الجميع داخل الصندوق، بل في الشجاعة لفتحه. في تمكين العقول التي ترى أبعد، لا في إقصائها. وفي جعل الجهود والأفكار المتنوعة جسورا للنهوض، لا ذرائع للإقصاء.
فالسؤال المحوري الأهم ليس هل نملك مواهب؟ بل هل نملك الشجاعة لنحميها، ونستثمرها، ونبني بها المستقبل؟
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
إقرأ المزيد


