الإمارات بقيادة محمد بن زايد.. حاضرة دائماً في لملمة الجراح العربية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ذروة الصراعات التي تعصف بالمنطقة، وعلى مفترق المنعطفات الحاسمة التي تحدد مسار الأمة العربية، تتجلى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كمنهج فكري وسياسي راسخ ومتماسك، فهو لا ينظر إلى القضايا العربية باعتبارها مسائل ثانوية أو ملفات بروتوكولية تُدار ببرود في أروقة المؤتمرات، بل هي عنده قضايا إنسانية جوهرية تحمل في طياتها معنى الانتماء وأمانة المسؤولية التاريخية تجاه شعوب ترتبط بوشائج اللغة والدين. ومن هذا المنطلق، تتحول القضايا العربية في نظره من مجرد عناوين سياسية إلى قضية إنسانية عميقة وأولوية ملحة، تتصل بكرامة الإنسان العربي وطموحاته في العيش الكريم والتنمية المستدامة.
ولم تكن مواقف الشيخ محمد بن زايد تجاه القضايا العربية يوماً عابرة أو مرتبطة بظرف سياسي مؤقت، بل لطالما استندت رؤيته إلى مرتكزين رئيسين اثنين، الانتماء العروبي أولاً بوصفه مسؤولية تاريخية، والقيمة الإنسانية ثانياً بوصفها واجباً أخلاقياً. لذلك لا يقنع الشيخ محمد بن زايد بالمفهوم التقليدي للأمن والاستقرار كغاية نهائية للشعوب العربية، بل يراها شعوباً جديرة بأن تتجاوز مرحلة البقاء إلى مرحلة الازدهار، وأن تنتقل من دائرة الاحتياجات الأساسية إلى فضاء الطموحات التنموية الشاملة. وعليه، فإن الأمن والاستقرار ليسا غايتين في ذاتهما، بل شرطان مبدئيان لبناء مجتمعات تنتج المعرفة، وتُطلق الإبداع، وتضمن لمواطنيها الحياة الكريمة التي تليق بإرثهم الحضاري وتاريخهم المشرف.

ولا يأتي هذا التوجه الإنساني بمعزل عن التجربة الشخصية الثرية للشيخ محمد بن زايد، بل هو نتاج تراكمي لخبرة سياسية وعسكرية طويلة، ولقراءة متأنية لتاريخ المنطقة. لقد شكّل حدث غزو العراق للكويت نقطة تحول فاصلة في وعيه كقائد سياسي في المنطقة، حيث رأى عن قرب كيف يمكن للخلاف أن يتحول إلى صراع مأساوي يفتت الجسد العربي من الداخل، خاصة أن الحدث لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كان زلزالاً سياسياً وأخلاقياً هزَّ أسَاسَ التضامن العربي، وكشف عن الهشاشة الكامنة في البنية الإقليمية حين تغيب الإرادة المشتركة، وتعلو الأصوات المنفردة المتطرفة.

 

خلال حرب العراق على الكويت، لم يكن الشيخ محمد بن زايد مجرد مراقب فحسب، بل كان، وبصفته نائباً لرئيس هيئة الأركان المشتركة، شريكاً فاعلاً في تحرير الكويت عبر تنسيق الجهود العسكرية ضمن التحالف الدولي والعربي. ولقد منحته هذه التجربة الميدانية المباشرة منظوراً فريداً من زاويتين، إذ رأى من جهة أولى أثر التضامن العربي وقوته عندما تتوحد الأهداف تجاه قضية عادلة. واختبر من جهة أخرى مرارة الانقسام العربي الذي مهّد الطريق لهذا الغزو وأثره في تدمير الثقة بين الأشقاء.
وربما كان الدرس الأهم الذي استخلصه سموه من محنة الكويت هو أن الخلاف، ومهما بلغت حدته، يجب أن يُدار ضمن أُطر الحوار السلمي والبنّاء، وألا يُترك ليصير أداة للتمزق والعداوة بين الأشقاء. وعليه.. آمن الشيخ محمد بن زايد في وقت مبكر أن التضامن العربي ليس مجرد شعار رومانسي حالم، بل ضرورة وجودية لضمان أمن المنطقة وازدهارها ورفاه شعوبها، وما زال هذا الدرس التاريخي هو ما يحرك سياسته لليوم، ويجعله حريصاً على منع أسباب الانزلاق نحو الاستقطابات التي لا تنتج إلا مزيداً من الضعف والتشتت. وهكذا لا تزال ذاكرة الحرب وآثارها حاضرة في قراراته، كحافز دائم للسعي نحو رأب الصدع وبناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
من جهة أخرى، استخلص الشيخ محمد بن زايد من تلك التجربة التاريخية نتيجة مفادها أن انقسام العرب هو أخطر تهديد لأمنهم ومستقبلهم، وأن تعاونهم بالمقابل هو الضمانة الوحيدة لكرامتهم وتقدمهم. من هذا المنطلق، تحولت الدعوة إلى الوحدة والتضامن العربي من مجرد شعار سياسي إلى استراتيجية عملية وجزء لا يتجزأ من هوية سياسة الدولة تحت قيادته، إذ لم يكتف سموه بالدعوة النظرية للتعاون العربي، بل عمل بلا كلل لتحويلها إلى واقع ملموس، خاصة وهو يدرك أن عالم اليوم، بتشابكاته وتعقيداته، لم يعد يحتمل النهج التقليدي في إدارة الأزمات. وأن التحديات الراهنة، من ضمان الأمن المائي والغذائي العربي، إلى مواجهة التطرف والتحول الرقمي، تتطلب تفكيراً استباقياً وإبداعياً، وتشترط تعاوناً يتجاوز الحدود والخلافات الثانوية. هنا، تبرز الإمارات كمختبر حي وفاعل، إذ تتحول مساعداتها وتدخلاتها من ردود أفعال طارئة إلى برامج تنموية شاملة تهدف إلى تمكين المجتمعات وبناء قدراتها.
لقد سعت الإمارات دائماً كي لا تكون المساعدات الإنسانية لشقيقاتها، سواء في غزة أو اليمن أو السودان، مجرد إغاثة عابرة، بل هي استثمار استراتيجي يعزز استقرار المنطقة وإعادة إعمارها، وترجمة عملية لحقيقة أن أمن الدول لا يُبنى بالجدران العسكرية وحدها، بل بتوفير التعليم والغذاء والطاقة، وخلق الأمل لدى الشباب وفرص الحياة أمامهم. هكذا تقدم الإمارات تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد نموذجاً للتضامن الفعّال الذي يجمع بين الجرأة في التدخل الإنساني العاجل، والحكمة في التخطيط التنموي طويل المدى، سعياً لتحقيق معادلة صعبة، طرفاها: تخفيف معاناة اليوم مع بناء أسس الغد.

ففي قطاع غزة، حيث يعاني السكان تحت وطأة الحصار والصراع المتكرر، برزت الإمارات كأكبر داعم إنساني منفرد، إذ تجاوزت مساعداتها خلال العامين الماضيين حاجز 2.5 مليار دولار، موجهةً نحو سد الاحتياجات الأساسية الملحة من الغذاء والدواء، إضافة إلى تقديم الخدمات الطبية عبر مستشفيات ميدانية متخصصة. ما يؤكد التزام قيادة الدولة بمواجهة المأساة الإنسانية هناك، ويبرهن على أن قضية الشعب الفلسطيني ستبقى حية في ضمير السياسة الإماراتية.

أما في السودان، حيث تدور رحى نزاع مدمّر منذ عام 2023، فقد التزمت الإمارات بموقف داعم ومستمر عبر تقديم 784 مليون دولار كمساعدات طارئة، لتكون ثاني أكبر دولة مانحة بعد الولايات المتحدة. ولم يكن الدعم الإماراتي للسودان وليد لحظة الصراع فحسب، بل جاء استمراراً لشراكة تنموية ممتدة، حيث بلغ إجمالي المنح والمساعدات منذ عام 2015 أكثر من 4.2 مليار دولار، لم تنحصر فقط في الإغاثة العاجلة، وإنما اشتملت أيضاً على برامج حماية الفئات الأكثر ضعفاً، خاصة الأطفال، عبر توفير التعليم والدعم النفسي، والمساهمة في استقرار حياة النازحين.

أما اليمن، فقد تجاوز الدور الإماراتي فيها مفهوم المساعدات الإنسانية التقليدية إلى مرحلة إعادة البناء الاستراتيجي، حيث أسهمت الإمارات بشكل جوهري في تعزيز قطاعات البنية التحتية الحيوية التي تُعيد الحياة إلى المجتمع اليمني. وخصصت مليار دولار لدعم قطاع الطاقة، بما في ذلك إنشاء محطات طاقة متجددة في عدن وشبوة، ليس الهدف منها توفير الكهرباء لأكثر من مليون أسرة فحسب، بل إرساء أساس للتنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد، مما يجعل الدعم الإماراتي استثماراً في مستقبل اليمن وليس مجرد رد فعل لأزمته الحالية.

ولا تكمن القيمة الاستثنائية للجهد الإماراتي الإغاثي في البُعد الكمي وضخامة الأرقام فحسب، بل والأهم من ذلك هو القدرة التنفيذية الفذة على إيصال هذه المساعدات إلى أكثر الساحات تعقيداً وخطورة في مسارح النزاع المسلح، إذ رغم المخاطر التي تحيط بعمليات الوصول أحياناً، تنجح آليات الإمارات في اختراق الحصار والصراعات، لتصل إلى المحتاجين في قلب العاصفة، سواء في غزة أو اليمن أو السودان.

أما العنصر الأكثر جوهرية في رؤية القيادة الإماراتية، فيتجلى في الفصل الواضح والصارم بين العمل الإنساني المحض وبين الخلافات السياسية والأيديولوجية. فاليد التي تمدها أبوظبي حاملة الغذاء والدواء، لا تحمل معهما شروطاً سياسية أو أجندات متنافسة، وهذا برأيي أهم أسباب نجاح السياسة الإماراتية في تحويل مساعداتها إلى رمز ملموس للتضامن العربي والإنساني المجرد، والقائم على أساس الإغاثة في أوقات الشدة، بمعزل عن الانقسامات والتحالفات المتغيرة.

وبهذا، تكون الإمارات تحت قيادة الشيخ محمد بن زايد قد أعطت لمبدأ «الإنسان أولاً» تجسيداً عملياً وسياسياً نادراً من خلال تقديم نموذج يُحتذى به في التعامل مع الكوارث الإنسانية برؤية واضحة وحياد فاعل هدفه تخفيف معاناة المتضررين، وهذا ما أكسب الدولة في عهده مكانة رفيعة على الخريطة العالمية للعمل الإنساني، إذ تبوأت مرتبة ثالث أكبر المانحين في العالم في عام 2025 بتبرعات بلغت قيمتها 1.46 مليار دولار، وهو تصنيف لا يعكس حجم العطاء المادي فقط، بل يعكس قبل ذلك كله مصداقية المنهج وتأثير الفعل.

ومن الجدير ذكره أن هذه السياسة الإنسانية للإمارات لا تنبع من فائض قدراتها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي الآمن فحسب، بل إن منبعها الرئيس هو إيمان قيادتها بأن دور الدولة ومسؤوليتها لا يقاسان بمقدار القوة المادية التي تكتسبها، بل بمدى إسهامها في تخفيف معاناة الآخرين، خاصة إخوانهم العرب. ولقد أدرك الشيخ محمد بن زايد أن الشرعية الأخلاقية والقوة الناعمة للإمارات تكمُنا في هذا السلوك الإنساني الذي يجعل من العروبة رابطة فعلية، ومن الإنسانية مبدأ غير قابل للمساومة.

 

ولا شك أن ما تنتهجه الإمارات في ظل قيادة الشيخ محمد بن زايد هو امتداد طبيعي لإرث المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذي غرس في سياسة الدولة مفاهيم العطاء والتضامن كقيم ثابتة، ثم ورث عنه الشيخ محمد بن زايد النظرة الثاقبة نفسها، فاستطاع تجاوز الأزمات الآنية ليرى مستقبل المنطقة بأكمله، وليجمع في رؤيته بين التمسك بالأصالة العربية التقليدية وقيمها، وبين التطلع الحداثي نحو مستقبل يحقق الرفاه والكرامة للإنسان العربي في كل مكان.

ومع مرور الوقت، وفي ظل المواقف السياسية الحرجة والمحفوفة بالتحديات، تجلت حكمة نهج الشيخ محمد بن زايد على وجه أوضح في التزامه الثابت بجعل مصلحة الإنسان العربي محوراً لكل قرار، فهو لا ينظر إلى التدخل الإنساني كتكلفة سياسية يحكمها ميزان الربح والخسارة، بل كاستثمار في استقرار المنطقة وكرامة سكانها. ولا شك أن هذه الرؤية الاستباقية والشجاعة تدفع الإمارات دوماً إلى الصفوف الأمامية في عمليات الإغاثة، لتبقى يدها الممتدة رمزاً للعون الذي لا يشترط ولا ينقضي.

أخيراً.. فإن ذاكرة الشعوب التي عانت من ويلات الصراع، ستبقى حية لتحفظ هذه المواقف بوضوح، ولتروي كيف أنه وفي الساعات الأكثر ظلاماً، وحين لا تجدي الحلول التقليدية نفعاً، كان النهج الإماراتي يجمع بين شجاعة العمل على إيصال المساعدات إلى حيث يعجز الآخرون، وبين صفاء النية وسمو الغاية نحو تعزيز شراكة إنسانية تتجاوز حسابات المصالح السياسية الضيقة والطارئة. وهذا بالضبط ما يمنح سياسة الإمارات مصداقيتها وتأثيرها المستدام، كمشروع يبني الثقة ويلملم الجراح في الوقت ذاته.
*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد