جريدة الإتحاد - 1/9/2026 12:26:01 AM - GMT (+4 )
كانت تسكن على تلة رابية غير بعيدة عن واحة العين، كنت منذ وعيت وأنا أراها عجوزاً نشطة، لا يقطن معها في ذلك البيت المزفون من جريد النخيل وسعفه، إلا بقرة بدأت تهرم معها، لكنها لا تبخل عليها من درّها، كانت تسرح إلى نخلها صباحاً، وتقطف من أثمارها، وتشذب أشجارها، وتسقي زرعها، وتحمل في ذلك «المحفر» المصنوع من السعف وخوص النخل وحبال ليفه ما نضج من الخضراوات والفواكه، وتحمل على رأسها ربطة حشيش و«مضحى» لبقرتها، وحين تعود لسكنها تبدأ في توزيع حصيلة اليوم على بيوت «الفريج»، وتكتفي بغلي قدر صغير مأكلها الذي بالكاد يكفي امرأة عجوزاً خفيفة اللحم، وتميل إلى الطول دون انحنائة، وفيها الكثير من التقوى، وتخالف أترابها من العجائز سليطات اللسان، كانت من القلائل اللآتي يقرأن القرآن، وتحفظ الشعر، وتعرف الكتابة، ولديها الكثير من القصص التي يمكن أن تسردها بفصاحة، وتسر أذن المستمع، بالأخص في ليالي الصيف المقمرة أو بجانب «الصريدان» في الشتاء الذي تعوي ريحه الباردة.
كنت أتردد عليها بشكل يومي في صغري، وكثيراً ما ترسلني لأوصل بعض الأشياء للبيوت، وكنت أسعد بذلك، وأتحرك بخفة الطائر، ولهفة فضول الاكتشاف، مرات أسمع منها كلمة: «نفعت»!، ومرات تجلسني عندها وتعطيني من بقايا «محفرها»، «سفريله، اترنيّه، همّباه، تين، زيتون أو طماطاه»، ومرات تقول لي: «اجلس بتتغدى وياي اليوم.. ونّسني»!
يقال إنها كانت أقوى من رجلها، وأنها عن أربعة رجال مثله، لكن الطيبين كانوا يقولون، إن زوجها مات عنها صغيرة، ولا خلّفت منه، وقالت قبل أن يدفن: «ما عن عوض بعوض»!
حتى أنها رفضت أن تتخلى عن بيتها البسيط، والرجوع لبيوت أخوتها، وخاصة أخيها البكر الذي كان يسكن في بيت أبيه الكبير الطيني «الغرفة»، كانت تفرح في الصيف كثيراً حين يجاورها أهل الساحل، وحين يحضرون لأم السبع البلادين بهداياهم وشفاياهم وما يجلبونه من مدن الساحل أبوظبي ودبي من خيرات، ومرات تترك لهم بيتها، وتسكن في «مسكّبي» في نخلها، وبجواره «المنامة» المرتفعة عن الأرض، والتي تظللها النخيل، كان الصيف جميلاً في تلك الواحة، وكنت أتلذذ بأكل الرطب المختلف أنواعه، وخاصة الخرايف التي تكثر في نخل بنت هلال، وعادة ما يوضع منه في «المخرافة» يكون عليه سِمِنّ ولومي أخضر، وبجواره «لِكَنّ أو مقفلة» فيها من «جامي» بقرتها وعليه «الخلاصة» وسَمْن الدار، حتى يقفز قلب الأم ناهرة: «تراك بِتْحمَرّ من هالرطب، وإلا بيظهر لك إخْرَايّ من هالهمبا»!
وفي يوم وبعد عودتي عصراً من مدرسة «حياة كنّه» لتحفيظ القرآن في «الحميراء»، وقبل أن أصل بيتنا، رأيت دخانًا يتصاعد فوق قمم النخيل «العُوّان» وثمة رائحة لاحتراق أشياء كثيرة مختلطة، وغبرة نار أشبه بالضباب الكثيف يغطي المكان، اقتربت تسبقني الصرخة حين رأيت بيت عجوزي يحترق، فخفت عليها، وكدت أفزع من الحزن، كان المشهد أقرب لتلك المشاهد السينمائية التي سأراها لاحقاً في سينما «الواحة» المفتوحة، كان هناك رماد ودخان وضباب ثقيل يغطي المكان، وثمة امرأة ملتحفة بالسواد، تعطي ظهرها للأشياء كشاهد على الأطلال وروائح الاحتراق، وكان هناك صائح، ورجال يفزعون بالمياه و«اليواني» الرطبة، وحدها عجوزي كانت ساكنة، تلوذ بالصمت المطبق، وهي تودع بقرتها المحترقة، ركضت نحو البيت ووجدت مصحفاً تحترق أطرافه، خطفته وذهبت إليها، وأريد أن أبكي، فقالت لي: احفظه.. مادام الله حفظه لك!
إقرأ المزيد


