جريدة الإتحاد - 1/9/2026 10:16:47 PM - GMT (+4 )
تُقدَّم قصة يوسف عليه السلام في الديانات الإبراهيمية بوصفها درساً خالداً في النزاهة رغم اختلاف سرديتها في الكتب السماوية الثلاث، إلا إنها أجمعت في مضمونها على النزاهة، لتكون باختصار في القدرة على قول «لا» حين يكون «نعم» أسهل وأريح. تعلمنا قصة يوسف أن النزاهة لا تتجزأ لأن الأمين في القليل هو أمين في الكثير، والفاسد في القليل هو فاسد في الكثير، وأن الله العادل يجازي كل إنسان بحسب أمانته ونزاهته وأعماله.
النزاهة في جوهرها تعني الاتساق بين المبادئ والأفعال، والثبات على الحق حتى في غياب الرقابة. النزاهة تعني التناغم بين ما نقول وما نفعل، بين ما نؤمن به، وما نحياه في حياتنا اليومية، بين الأفكار والمبادئ النظرية التي ندعي اعتناقها، وبين التصرفات اليومية التي نقوم بها ولا سيما عندما يغيب الرقيب أو الحساب. النزاهة الأخلاقية هي، وبدون أدنى مبالغة، «الأساس»، و«الغراء» الذي يربط مفاصل الشخص، والدولة، والمجتمع، والاقتصاد.
على المستوى الفردي، النزاهة الأخلاقية هي «الرقابة الذاتية»، التي تدفع الفرد منا للالتزام بمنظومة قيمية (كالصدق والأمانة والحيادية) مهما كانت المغريات ومهما كانت المبررات. فالفرد النزيه هو من لا تتجزأ أخلاقه بين العلن والخفاء. مثل الموظف الذي يرفض «هدية» أو «رشوة» مقابل تسريع معاملة قانونية أو غير قانونية، أو الطالب الذي يرفض الغش رغم سهولته، ورغم أن الجميع يغش ويرتشي. تتجلى النزاهة الأخلاقية في عدم تبرير الانحراف والفساد مهما كانت الظروف والمحفزات.
إن بناء «عالم الأخوة الإنسانية» الذي نطمح إليه يبدأ من قرار فردي بالالتزام بالحق، وينتهي بمنظومات عامة وعالمية تحمي هذا الحق وتكافئه.
تتجسد النزاهة، على المستوى الاجتماعي، في المجتمع عندما تُرفَض المحسوبية (الواسطة) ويتم أعلاء مبدأ الاستحقاق، مما يخلق بيئة من الثقة المتبادلة بين الأفراد والمؤسسات. مثل الشركات التجارية، والتي بالرغم من نجاحها الاقتصادي، لا تتهرب من الضرائب، ولا تهرب من مسؤولياتها الاجتماعية فتخصص جزءاً من الأرباح لتطوير موظفيها وإعانة المحتاجين، وهي تقوم بهذا عبر نظم وأنظمة حسابية دقيقة تضمن الشفافية المطلقة، والمحاسبة للمقصرين، ومكافأة النابغين، والملتزمين.
في المنظور الديني، النزاهة هي صلب الإيمان ومقياس حقيقته. تتجاوز النزاهة الدينية القانون البشري لتصبح علاقة مع الخالق، مما يوفر للفرد «سلاماً داخلياً» ويحمي المجتمع من التحلل الأخلاقي الذي يسبق الانهيار الاقتصادي.
فنزاهة الفرد في معاملاته اليومية مع الآخرين، وفي تربية ضميره والإصغاء له، والالتزام بالصدق والحق والعدل والحيادية والتواضع، ينعكس بدون شك عليه، فيشعر بالسلام الروحي والنفسي، وعلى المحيطين به وعلى المجتمع كله.
النزاهة الأخلاقية هي إذاً المقياس والمبدأ الأساسي لكل نجاح اقتصادي واجتماعي وديني وإنساني، لدرجة أنه كلما زاد ذكاء الفرد الاجتماعي والشخصي كلما زادت نزاهته الأخلاقية واستقامته الإنسانية وصلاحه الديني.
الذكاء والفطنة تتجسدان في تطبيق المثل المصري الذي يقول: «امشِ عدل يحتار عدوك فيك»، لأن التصرف باعوجاج يقود صاحبه يقيناً إلى الانهيار مهما شيِّدت من أبراج الانحطاط والنفوذ، لأن البيوت المبنية بأساسات ثابتة هي فقط التي لا تنهار أمام الأعاصير والزلازل والتجارب، أما تلك المبنية على الفساد، فتنهار أمام الرياح، مهما طال الزمن، ويكون انهيارها عظيماً.
إقرأ المزيد


