حين تصبح الكلمة الخليجية ضرورة عربية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم يعد السؤال في عالمنا العربي اليوم هو: مَنْ على حق ومَنْ على خطأ، بل السؤال الأثقل والأصدق: كيف وصلنا إلى هنا حتى أصبحت الشعوب هي الخاسر الأكبر في كل معادلة؟ في هذا المشهد المضطرب، تُحمَّل بعض الدول أدواراً كبيرة، ويُغفل السؤال الجوهري: هل الأزمة في تحركات هذه الدول، أم في الفراغ العربي الذي سمح بتضخيم أي دور فاعل؟
من هنا يبرز الجدل حول دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها حاضرة في ملفات إقليمية معقّدة. هذا الحضور يفتح باب التساؤل: هل نحن أمام دولة توسعية حسب مزاعم وحملات مغرضة؟ أم أمام دولة تتحرك بدافع حماية بيئة إقليمية بات انهيارها يهدد الجميع؟ وهل يمكن فهم أي دور إقليمي بمعزل عن واقع عربي ممزّق، تعيش فيه الدول تباعداً غير مسبوق، وتدفع فيه الشعوب ثمن صراعات لا تصنعها؟
عند الحديث عن «التوسّع»، لا بد من العودة إلى منطق الدولة ذاته. فالدول التوسعية تاريخياً قامت على فائض سكاني، أو عقيدة أيديولوجية، أو إرث إمبراطوري، أو حاجة اقتصادية قسرية. والإمارات لا تنتمي إلى أي من هذه النماذج. فهي دولة حديثة، ذات تعداد سكاني محدود، واقتصادها قائم على الاستقرار والانفتاح، لا على الهيمنة أو فرض النفوذ. بنيتها السياسية لم تُصمَّم لتصدير أفكار أو مشاريع عابرة للحدود، بل لحماية نموذج داخلي يقوم على التنمية والاستقرار. وعليه، فإن مزاعم تصويرها كدولة توسعية تتناقض مع طبيعتها ومصالحها وسلوكها الفعلي.

أما ما تقوم به الإمارات في العالم العربي، فينبغي فهمه من زاوية مختلفة. فهي تتحرك انطلاقاً من قناعة أمنية راسخة بأن أخطر ما يواجه المنطقة ليس الخلاف السياسي، بل انهيار الدولة الوطنية من الداخل. ومن هنا، يرتبط دعمها لأي جهة أو دولة بمفهوم واضح: أن تكون هذه الجهة وطنية، لا تخدم أيديولوجيات عابرة، ولا تحمل أجندات تخدم مصالح غير عربية، وقادرة على أن تكون جزءاً من نسيج عربي متماسك نفتقده اليوم. فالأمن، في هذا الفهم، لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل حماية فكرة الدولة والمؤسسة.

هذا الطرح لا يعني الدفاع عن الخطأ، ولا ادعاء العصمة، بل دعوة صريحة للاحتكام إلى النتائج لا إلى النوايا. لنسأل الشعوب التي تعاني اليوم: هل كان العراق أكثر استقراراً مما هو عليه الآن؟ هل كانت تونس أقرب إلى الدولة مما تعيشه اليوم؟ هل كان اليمن أقل مأساوية مما آل إليه؟ هل كانت سوريا قبل ما سُمّي بالربيع العربي أقرب إلى الأمان؟ وهل كان السودان قبل الانقلابات أقرب إلى التعافي؟
الإجابة في معظم هذه الحالات لا تحتاج إلى عبقرية سياسية. فالواقع يقول إن ما تلا تلك المراحل لم يكن إصلاحاً بقدر ما كان انهياراً شاملاً للدولة والمجتمع. في السابق، كانت الدول العربية تختلف، لكنها تختلف داخل سقفٍ مقدور عليه. كانت هناك جامعة عربية ضعيفة، لكنها قائمة، وخلافات سياسية لا تنسف فكرة الانتماء المشترك. أما اليوم، فنحن أمام اعتقادات متصارعة، وأجندات متناقضة، ودول مخترقة، وشعوب تدفع ثمن صراعات لا قرار لها فيها.
الأخطر أن هذا التشرذم تحوّل إلى ثقافة اتهام، بل إن هذا التصدّع بدأ يلامس نسيج الخليج العربي نفسه، رغم ما يجمع دوله من ترابط وقرابة ومصالح وأمن قومي مشترك. الوقوف مكتوفي الأيدي أمام تفكك الكلمة العربية، والتردد في توحيد المواقف لحماية الدولة والمؤسسة، جعل الخطر يقترب من الجميع.
وهنا يحضر المثل العربي: لقد متنا يوم قُتلت البقرة الصفراء. يومها قيل إن الخطر بعيد، لكن التجربة أثبتت أن من يراقب انهيار غيره بصمت، سيأتيه الدور. من هذا المنطلق، يصبح الإجماع الخليجي ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة تاريخية لحماية ما تبقّى من الوطن العربي، ومنع انتقال الفوضى من الأطراف إلى القلب.
في هذا الزمن، لم تعد الكلمة الخليجية ترفاً دبلوماسياً، بل مسؤولية عربية. فحين تتوحّد الكلمة تُحمى الدولة الوطنية، وحين تغيب يصبح الجميع مكشوفاً أمام مشاريع التفكيك.

*لواء ركن طيار متقاعد



إقرأ المزيد