«التشخيص الذاتي» بالذكاء الاصطناعي.. ظاهرة جديدة تنتشر بين «جيل Z»
‎الإمارات اليوم -

أكد أطباء لـ«الإمارات اليوم» أن ظاهرة التشخيص الذاتي عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تنتشر بين فئة الشباب من مواليد أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة «جيل Z»، نتيجة اعتمادهم المتزايد على هذه الأداة في تفسير الأعراض الصحية.

وبيّنوا أن الخوف الصحي أصبح من أبرز سمات «أمراض العصر الحديث»، في ظل الانفجار غير المسبوق للمعلومات الطبية «غير المفلترة» عبر منصات التواصل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وضغوط الحياة المتسارعة، مؤكدين أن «أكثر المخاوف شيوعاً يتعلق بأمراض القلب، والسرطانات، أو الجلطات والموت المفاجئ، والاكتئاب».

وأكدوا أن عياداتهم تشهد تصاعداً لافتاً في أعداد مراجعين لا يعانون أي أمراض عضوية، ويترددون على العيادات بداعي الخوف من الإصابة بأمراض خطرة.

وأضافوا أن الخوف المستمر من المرض هو في حد ذاته مرض، يُعرف طبياً بـ«اضطراب القلق المرضي»، لافتين إلى أن علاج القلق هو نقطة التحول الحقيقية.

وحذّروا من أن بعض الحالات تتطور إلى إجراءات غير مبررة، إذ يلجأ مرضى للسفر إلى خارج الدولة لإجراء قسطرة قلبية أو مناظير وفحوص تدخلية لا داعي لها، للتخلص من الوسواس والتفكير المفرط، ما يشكّل عبئاً صحياً ونفسياً متزايداً.

المحادثات الذكية

وتفصيلاً، قال استشاري طب الأسرة، الدكتور عادل سجواني، إن شريحة متزايدة من مراجعي العيادات لا تعاني أي مرض عضوي، لكنها تتردد على العيادات باستمرار، وهي تعيش خوفاً شديداً من الإصابة بأمراض خطرة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء حصلوا على تشخيصهم المسبق عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما فيها منصات المحادثة الذكية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثيراً من هؤلاء الأفراد باتوا يستسهلون التشخيص الطبي عبر منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، على الرغم من أن هذه الأدوات لا تملك السياق الطبي الكامل، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يذهب في التشخيص إلى أحد طريقين إما تبسيط مخلّ، أو تعقيد مفرط يضخم أعراضاً بسيطة ويحولها دون مبرر إلى احتمالات خطرة مثل السرطان أو أمراض القلب.

وأضاف أن الأمر لا يقتصر على الأمراض العضوية، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث قد يمر شخص بظرف حياتي عابر، مثل عدم الحصول على ترقية وظيفية أو خلاف أسري، ليجد نفسه مُشخصاً بالاكتئاب أو القلق أو التوتر من خلال الذكاء الاصطناعي، ما يدخله في دوامة نفسية قد لا يكون بحاجة إليها أصلاً.

وأشار إلى أن أكثر الشكاوى الشائعة حالياً يتمحور حول الخوف من أمراض القلب، والسرطانات، والاكتئاب، وغيرها من التشخيصات الخطرة، مبيناً أن هذه الظاهرة تنتشر بشكل لافت بين فئة الشباب من مواليد أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، أو ما يُعرف بـ«جيل Z»، نتيجة اعتمادهم المتزايد على الذكاء الاصطناعي في تفسير الأعراض الصحية.

وأوضح أن بعض المرضى يراجعون العيادات وهم يحملون تشخيصاً جاهزاً وقائمة طويلة من الفحوص التي يطالبون بإجرائها، مؤكداً أن الممارسة الطبية الصحيحة لا تقوم على هذا الأساس، بل تبدأ بأخذ التاريخ المرضي الدقيق، ثم الفحص السريري، ومن ثم تحديد الحاجة الفعلية لأي فحوص إضافية.

وبيّن أن بعض المرضى لا يقتنعون برأي الطبيب في حال تعارض مع ما قرؤوه أو حصلوا عليه من الذكاء الاصطناعي، فيتنقلون بين عدد كبير من الأطباء، ويجرون فحوصاً وإجراءات غير ضرورية، قد يكون بعضها خطراً، دون حاجة طبية حقيقية.

ولفت إلى أن بعض الحالات تصل إلى السفر خارج الدولة لإجراء قسطرة قلبية أو مناظير وإجراءات تدخلية لا مبرر لها، فقط من أجل التخلص من الوسواس والتفكير الزائد، مؤكداً أن هذه الممارسات تشكّل عبئاً صحياً ونفسياً، وتنتشر بشكل أكبر بين فئة الشباب من الجنسين.

وأكد أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، وليست بديلة عن الطبيب، وأن التشخيص الطبي يجب أن يبقى في يد المختصين، محذراً من خطورة تحويل القلق العابر إلى مرض حقيقي، بسبب الاعتماد غير الواعي على وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الذكية في المجال الصحي.

معاناة يومية

وقالت أخصائية طب الأسرة الدكتورة رحاب يوسف السعدي، إن عيادات طب الأسرة تشهد تزايداً ملحوظاً في مراجعات مرضى يأتون وهم مقتنعون بإصابتهم بأمراض خطرة، مثل السرطان أو الجلطات أو الموت المفاجئ، ليتبيّن بعد إجراء فحوص شاملة أن نتائجهم سليمة، وأن الأعراض ناتجة عن قلق شديد أو نوبات هلع.

وأضافت أن الخوف الصحي بات من أبرز سمات «أمراض العصر الحديث»، في ظل التدفق الهائل للمعلومات غير المفلترة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب ضغوط الحياة اليومية، ما جعل الخوف من المرض حالة منتشرة تتسبب في معاناة حقيقية وزيارات متكررة للعيادات دون وجود سبب عضوي.

وأوضحت أن التعامل مع هذه الحالات لا يقتصر على إبلاغ المريض بأنه سليم، بل يتطلب شرحاً طبياً متدرجاً يوضح أسباب السلامة، مع توجيهه للعلاج النفسي عند الحاجة، مؤكدة أن هذا النهج يعزز ثقة المريض، ويخفف من حدة القلق الذي يعيشه.

وحذّرت من الاعتماد على الإنترنت في تشخيص الأعراض، مؤكدة أن قراءة الأعراض دون فهم السياق الطبي قد تحوّل القلق البسيط إلى معاناة يومية.

وقالت: «الإنترنت ليس طبيبك، وصحتك تستحق تشخيصاً مهنياً لا افتراضات، لذلك من المهم سؤال المختصين وعدم السماح للخوف بأن يقود الحياة».

وقدمت مجموعة من النصائح للأشخاص الذين يعيشون في قلق دائم من المرض، أبرزها التوقف عن التشخيص الذاتي، وتنظيم النوم، وتقليل متابعة المحتوى الصحي المثير للقلق، وممارسة النشاط البدني، والالتزام بمراجعة طبيب موثوق بدل البحث العشوائي، مؤكدة أن طلب المساعدة المتخصصة عند استمرار القلق يُعد قراراً واعياً لا علامة ضعف.

وشددت على الحاجة الملحّة لتغيير ثقافة المجتمع تجاه الصحة النفسية، موضحة أن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الأمراض المزمنة مثل ضغط الدم أو السكري، وأن تجاهل القلق والتوتر والاكتئاب قد ينعكس لاحقاً على الجسد في صورة أعراض عضوية حقيقية.

وفيما يتعلق بدور الطبيب، أكدت أن التعامل مع «المريض الخائف» يجب أن يبدأ بالاعتراف بمشاعره لا بنفيها، فالخوف حقيقي بالنسبة له حتى في غياب المرض العضوي، مشيرة إلى أن الاستماع الجيد والشرح المبسط للفحوص والطمأنة المستندة إلى العلم، عناصر أساسية لبناء الثقة ومنع تفاقم القلق.

وأوضحت أن الإحالة المبكرة للطبيب النفسي تُعد خطوة وقائية وليست فشلاً طبياً، إذ تساعد على السيطرة على القلق الصحي قبل تحوله إلى اضطراب مزمن، لافتة إلى أن رفض بعض المرضى هذه الإحالة يعود إلى وصمة اجتماعية خطأ، في حين أن الطب النفسي جزء لا يتجزأ من المنظومة الصحية المتكاملة، وأن النفس والجسد وجهان لعملة واحدة.

أمراض نفسية

من جانبه، أكد أخصائي الطب النفسي، الدكتور عمر بن عبدالعزيز، أن الخوف من المرض هو في حد ذاته مرض، عندما يكون الخوف مستمراً ومؤثراً في حياة الإنسان، ويتم تشخيصه طبياً بما يُعرف بـ«اضطراب القلق المرضي»، مشيراً إلى أن هذا الاضطراب بات يحظى باعتراف متزايد ضمن المنظومة الصحية في دولة الإمارات، التي تتعامل مع الصحة النفسية كجزء أساسي من الصحة العامة وجودة الحياة.

وأوضح أن هناك فرقاً واضحاً بين القلق الصحي الطبيعي والقلق المرضي فالقلق الطبيعي أمر مفهوم في ظل الفحوص الدورية وارتفاع الوعي الصحي، بينما يتميّز القلق المرضي باستمراره، على الرغم من الطمأنة الطبية، وسيطرته على تفكير الفرد وسلوكه اليومي.

وبيّن أن الخوف غالباً ما يتركّز على أمراض مثل السرطان أو الموت المفاجئ، لأنها تمثل في ذهن الإنسان فقدان السيطرة وعدم اليقين، خاصة في مجتمع يتحمّل فيه الأفراد مسؤوليات أسرية ومهنية ومجتمعية كبيرة، ما يجعل الخوف من العجز المفاجئ مصدر قلق عميق.

وأشار إلى أن الفكرة تبدأ عادة بإحساس جسدي طبيعي يثير القلق، ثم يزيد القلق من تركيز الشخص على الأعراض، في حين توفّر الطمأنة الطبية راحة مؤقتة، بينما يعزز التحقق المتكرر والفحوص المتكررة دائرة الخوف، ومع الوقت يختلط القلق بالدليل الطبي في ذهن المريض، فيُفسَّر الخوف ذاته بأنه إثبات لوجود المرض.

ولفت إلى أن الفحوص الطبية، على الرغم من أهميتها، قد تزيد القلق في كثير من الحالات إذا لم يُعالج السبب النفسي، موضحاً أن سهولة الوصول إلى الفحوص التشخيصية المتقدمة في دولة الإمارات قد تُغذّي بشكل غير مقصود البحث المستمر عن الطمأنة، ما لم يتم التعامل مع القلق كحالة تحتاج إلى تدخل علاجي بحد ذاتها.

وحذّر من أخطاء شائعة قد يرتكبها بعض الأطباء أو أفراد الأسرة، مثل الإفراط في إجراء الفحوص بدل علاج القلق، أو التقليل من مخاوف المريض بعبارات عامة، أو إظهار الغضب واللوم، أو تجنب الإحالة إلى الطب النفسي بسبب الوصمة الاجتماعية، مؤكداً أن هذه الممارسات بدأت تتراجع مع ازدياد الوعي الصحي على المستوى الوطني.

وتابع أن القلق المزمن قادر على التسبب في أعراض جسدية حقيقية، تشمل خفقان القلب، وألم الصدر، وضيق التنفس، والدوخة، واضطرابات الجهاز الهضمي، وآلام العضلات، مشدداً على أن هذه الأعراض فسيولوجية حقيقية، وليست أوهاماً.

وأوضح أن الخوف يصبح خطراً عندما يبدأ بتقييد حياة الإنسان، فيمنعه من العمل أو السفر أو ممارسة الرياضة أو المشاركة الاجتماعية والروحية، فيتحول التركيز من «العيش» إلى مجرد «البقاء».

وذكر حالة لرجل كان يراجع أقسام الطوارئ بشكل متكرر رغم سلامة جميع الفحوص، وقام بتجنب أي نشاط بدني، وعاش في حالة مراقبة دائمة لجسده ليتأكد من عدم إصابته بأي مرض، مؤكداً أن رحلة علاج وتعافي هذا الرجل لم تبدأ إلا بعد العلاج النفسي للقلق، وليس الجسد فقط.

وأشاد بدور قيادة دولة الإمارات ورؤيتها الصحية التي جعلت الصحة النفسية أولوية وطنية، من خلال دمجها في الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات والسياسات العامة، ما أسهم في تقليل الوصمة الاجتماعية، وتوسيع خدمات الطب النفسي، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة المبكرة دون خجل أو خوف من الأحكام.

الصحة النفسية

يُعدّ جيل الأطفال والشباب في مرحلة عمرية حساسة، فهم يسعون لاكتشاف ذواتهم، وعندما يرون لمحات في مقطع فيديو يتناول اضطراباً نفسياً، يتسرعون في استنتاج أنهم مصابون بهذا الاضطراب.

ويخبر أطفال آباءهم بأنهم مصابون باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، أو التوحد، أو القلق، أو الاكتئاب، أو الاضطراب ثنائي القطب، وغيرها، لمجرد مشاهدتهم مقطع فيديو عنها.

ويتفق أطباء أطفال ومتخصصون في الصحة النفسية بأن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بشكل كبير في أزمة الصحة النفسية لدى الجيل الجديد.

بل إننا جميعنا نبحث عن الأعراض ونجد مواقع إلكترونية تتصدى لتشخيصنا. لكن هذا ليس صحيحاً دوماً، ولابد من مصدر موثوق للمعلومات.



إقرأ المزيد