جريدة الإتحاد - 1/13/2026 1:32:45 AM - GMT (+4 )
في الشؤون الدولية، لم تعُد القوة تقاس فقط بعدد الجنود ونوع التسليح وعدد العمليات العسكرية أو صخب التصريحات أو كثافة الحضور الإعلامي، بل أصبحت تقاس بقدرة الدولة على التأثير دون إعلان، وعلى إدارة الأزمات دون تحويلها إلى ساحات استنزاف مفتوحة. من هنا برز مفهوم «الردع الصامت» كأحد أكثر أنماط السلوك الاستراتيجي نضجاً في النظام الدولي المعاصر، حيث تُمارس القوة بهدوء، وتُرسل الرسائل دون خطابات، وتُصاغ السياسات بعيداً عن منطق الاستعراض والتجييش والتفوق الوهمي، الذي لا يعكس توازن القوى في الساحة الإقليمية والدولية، وكما هو معروف لا تفوق عسكرياً ودبلوماسياً مستداماً دون تفوق اقتصادي وتقني ونموذج ناجح.
الردع الصامت يقوم على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في جوهره، ألا وهو: ليس كل ما يُعرف يجب أن يُقال، وليس كل ما يُقال يخدم المصلحة، فالدولة التي تكثر من التصريحات وتعلن خطوطها الحمراء بشكل مباشر، تمنح خصومها فرصةً ثمينة لإعادة الحسابات، والتكيّف، وربما الالتفاف. أما حين يترك جزء كبير من النوايا غير معلن، والحصول على مباركة القوى الكبرى وإجماع من كبار اللاعبين والمؤثرين في الساحة الدولية، حينها يصبح الغموض محدوداً وعدم اليقين والتورط في ثغرات في المناطق الرمادية أمراً مستبعداً.
تجارب القوى الكبرى والمتوسطة على السواء تؤكد أن الردع لم يعُد حكراً على السلاح التقليدي بعيداً عن حسابات ما يحرك الجماهير وقضاياها المحورية. هناك من بنى استراتيجيته على الغموض الاستراتيجي طويل الأمد، وهناك من استخدم الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد كوسائل ضغط غير معلنة، وهناك من اعتمد العمل الاستخباري والعمليات المحدودة والعمق المعنوي بدل المواجهات الشاملة، القاسم المشترك بين هذه النماذج هو تجنب تحويل الصراع إلى معركة خطاب، لأن الخطاب غالباً ما يقيد القرار السياسي ويحوّله إلى التزام علني يصعب التراجع عنه.
في السياق الإقليمي والدولي على حد سواء يمكن ملاحظة نماذج لفاعلين مؤثرين تعاملوا مع أزمات معقدة في محيطهم القريب بأسلوب ينسجم تماماً مع هذا المفهوم، ففي الوقت الذي اندفعت فيه أطراف عدة نحو نزاعات مفتوحة متعددة المستويات، عسكرية وإعلامية ودبلوماسية، اختار أولئك الفاعلون نهجاً مختلفاً من مشاركة محدودة، وأهداف واضحة، وأدوات محسوبة، دون الانجرار إلى سجالات علنية أو حملات تبرير مستمرة، كان التركيز منصباً على المصالح الحيوية لا على تسجيل المواقف.
أحد أهم عناصر هذا السلوك تمثّل في رفض تحويل الأزمة إلى معركة سمعة، فكثير من الدول تقع في فخ الدفاع المستمر عن صورتها، فتتورط في خطاب تعبوي يجعل أي تعديل في الموقف يبدو وكأنه تراجع أو هزيمة. في الردع الصامت، يغيب هذا القيد، إذ لا تربط القرارات بخطاب علني صاخب، ما يمنح صانع القرار مرونة أعلى وقدرة أكبر على التكيف مع تغير المعطيات. الصمت هنا ليس فراغاً، بل مساحة مناورة محسوبة.
كل الخطوات والتحركات في الردع الصامت يجب أن تكون نظامية ولا مجال للعشوائية والمغامرات، والبُعد عن أي ضجيج سياسي أو إعلامي، مما يشكّل أحد أوضح تجليات الردع غير المرئي. فالقدرة على الخروج من ساحات الصراعات بسرعة وهدوء لا تقل أهميةً عن القدرة على الدخول إليها، والرسالة غير المباشرة مفادها أن المشاركات لم تكن اندفاعاً عاطفياً أو تورطاً غير محسوب، بل خياراً سيادياً قابلاً للتعديل. في ميزان القوة الحديثة، يُعد التراجع الذكي علامة نضج استراتيجي لا مؤشر ضعف.
كما يجب أن تتّسم إدارة العلاقة مع الشركاء بالبعد عن التباينات في التقدير، وهو أمر طبيعي في أي شراكة سياسية، مع تجنب نقل الخلافات إلى العلن والتجاذب أو المزايدة. هذا النمط من التنسيق الصامت حرم الخصوم من فرصة استغلال الخلافات، وحافظ على حد أدنى من التماسك يسمح باستمرار التعاون في ملفات أخرى أكثر أهميةً على المدى الطويل.
الردع الصامت يعتمد كذلك على تنويع الأدوات وعدم حصر النفوذ في بُعد واحد. قوة عسكرية تُستخدم بحدود، وتأثير اقتصادي يوظَّف بحساب، وعلاقات سياسية تُدار بهدوء، وشبكات أمنية واستخبارية وشعبية تعمل بعيداً عن الأضواء. هذا التداخل بين الأدوات يجعل من الصعب على أي طرف معادٍ تحديد مركز الثقل أو التنبؤ بطبيعة الرد، مما يرفع كُلفة التصعيد ويحد من احتمالات الردع المباشر.
في المحصلة، يبرهن الردع الصامت أن القوة الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى رفع الصوت كي تُسمع. أحياناً يكون الامتناع عن الرد هو الرد الأقوى، ويكون التحفظ المدروس أكثر تأثيراً من الاستمرار في صراع بلا أفق. في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتنافس فيه الدول على من يتكلم أكثر، يظل الصمت الاستراتيجي أحد أعلى أشكال السيطرة، وأحد أكثر أدوات النفوذ استدامة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


