«العراء» الرقمي!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يتناول الناس اليوم، مسألة فقدان الخصوصية بالقليل من الاكتراث. فقد تأكّد لي استسلام أغلب من نتناول الموضوع معهم، وكأن ما يحدث هو أمر حتمي لا مفرّ منه. كنت كذلك، ولكن من ناحية أخرى - للأسف - فلم ألقِ لهذا الموضوع شأناً، وطالما ردّدت في داخلي عبارة تقول: «عادي.. أنا لا أخفي شيئاً، وليس لدي ما أخاف منه»!
في رواية شائقة قرأتها مؤخراً حول مدينة صنعت كل مبانيها من زجاج، أماكن السكن ومنشآت العمل والترفيه، كلها تشفُّ ما بداخلها. الجميع يعرف ما يفعل الجميع. في هذه «الديستوبيا»، تفرض السُّلطة على الشعب نسيان كل ما سبق المرحلة، وتفرض تاريخاً جديداً، يُمنع فيه منعاً باتاً من تداول أو قراءة أي شيء سبق تاريخ الدولة الزجاجية. فجأة تحوّلت الخصوصية في تلك المدينة إلى ماضٍ محرّم!، هنا توقّفت أمام فكرة ربما أرادت طرحها كاتبة رواية «منازل أبناء الطين» شيماء هشام، حول هذه النعمة التي نستخفّ بها، بلا وعي وإدراك!
المفارقة هنا، أن خصوصيتنا لا تُنتزَع قسراً كما في بلاد أبناء الرمل، بل إننا نُسلّمها طوعاً لدكتاتوريات رقمية عبر التقنيات التي نستخدمها. نُقدم كل شيء لآخرين لا نعلم عنهم شيئاً، ليس هذا فحسب، بل نستهين بها غير مدركين لقيمتها لذواتنا. وهنا تساءلت عن سبب هذا التسليم الكامل لخصوصيتنا، وعدم الرغبة حتى في المقاومة! المفاجأة التي أدركتُها لاحقاً، أننا ببساطة لم نتعلم جدوى أن تكون لنا خصوصيتنا؛ لأنها كانت دوماً حقاً طبيعياً نعيشه ولم نسمّه! هذا الحق الذي منحنا إياه الله لم يكن عبثاً أو ترفاً، إنما هو ركيزة أساسية لتحقيق إنسانيتنا. وخوفنا على إنسانيتنا ليس بسبب تلك البيانات والمعلومات المسروقة منا، بل خوفنا الذي يجب أن نعيشه، هو أن يُعاد تشكيل ما في دواخلنا، ليتناسب مع مصالح ذلك الذي يراقِب!
ولكن يا تُرى ما الذي سنفقده إذا خسرنا هذه الخصوصية؟! 
إننا لا نفقد فقط أسرارنا في علاقاتنا - كما هو مشاع - إنما نفقد حق الخطأ والفشل، حق أن نكون غير مكتملين، حقنا الطبيعي في التوبة والتصحيح، أن نفقد فرص إعادة إنتاج ذواتنا بعيداً عن عيون الآخرين.
وفي مقابل هذه الخسارة، هناك من يربح، ذلك الذي يمتلك كل شيء، وبالأخص يمتلك خصوصيته، التي في مأمن، وكأننا أمام شكل جديد من إعادة توزيع الثروات، أحدهم يملك حقه في الظل والصمت والاختباء، وآخر يعيش في العراء.
ألا تتفقون معي بأنّ حقاً كهذا - تنازلنا عنه طوعاً - قابل بسهولة للتحول إلى سلعة، سيمتلكها من يدفع أكثر؟!



إقرأ المزيد