الثَّورة والثَّورة المضادة.. وما بينهما
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تكاد تكون المهمة الأولى للثورة والثورة المضادة (لا نقصد معناه المستخدم سلباً) تبادل الانتقام ما بينهما، وأمامنا نماذج كثيرة في التَّاريخ، قتل المغلوبين ومطاردتهم، ثم يصبح المنتصرون، ولو بعد حين، مغلوبين، ويُطبق فيهم ما طبقته الثَّورة في خصومها، عندما تأخذهم على الشُّبهة، ولمحمد مهدي الجواهريّ في الثّورة وضدها، وهو يحذر مِن انقلاب على انقلاب بكر صُدقيّ: «تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً/ مما يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا/ أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن حِكمةٍ أو صحبِهَا خَبَر/ واللهِ لاقتِيدَ زيدٌ باسم زائدةٍ/ ولاصطلى عامرٌ والمبتغى عُمَر(الدِّيوان، تحرك اللّحد 1936).

وربَّما لا توجد نماذج مختلفة في التاريخ، لا ترى الانتقام المتبادل بعد الانتصار، وهي ممارسات شخصية، انتهت في لحظتها ولم تصبح سلوكاً بين الغالب والمغلوب، ولكن على ندرتها من المهم التذكير بها، لِما فيها مِن عِبرة للأنظمة الجديدة، خصوصاً الأنظمة الغارقة في الماضي ومناكفاته. يُذكر لعبد الملك بن مروان(65- 86 هج) تصرفه ضد خصومه الزّبيريين بعد انتصاره، وهو يُذكر بالرؤوس المعروضة أمامه على منبر قصر إمارة الكوفة، بين منتصر ومغلوب، ويُذكر تصرف الوزير العباسيّ علي بن الفرات، مع المنقلبين على خليفته، وما سلكه الخليفة العباسيّ الظاهر بالله(622هج) بخصوم أبيه. قال كاتب مصعب بن الزُّبير (قُتل/ 72هج) المضاء بن علون، أمير العراق لأخيه الخليفة بالحجاز، عندما عُرضت على عبد الملك صحائف فيها أسماء المؤيدين لابن الزّبير لقتلهم، وهو يجلس مستعرضاً انتصاراته، قال: «دعاني عبد الملك بعدما قَتل مصعباً، فقال لي: علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد، إلا كتب إليَّ يطلب الأمان، والجوائز والصِّلات والقطاعات؟ قلت: قد علمت يا أمير المؤمنين أنه لم يبق مِن أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك، وهذه كتبهم عندي! قال: فجئني بها، فجئته بإضبارة عظيمة، فلما رآها قال: ما حاجتي أنْ أنظر فيها، فأفسد قلوبهم عليَّ! يا غلام!

احرقها بالنَّار، فأُحرقت»(اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). بعد حين طويل روى المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمَّد مسكويه (412 هج)، الإجراء الذي اتخذه الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، بعد فشل انقلاب الأمير الشّاعر عبد الله بن المعتز(قُتل: 296هج) على ابن عمّه الخليفة المقتدر بالله(قُتل: 320هج)، وعندها صار خليفة لنصف يوم فقط، فبدل الانتقام والملاحقة للمكاتبين للثورة على الخليفة: جُمعت «جميع الجرائد، التي وجد فيها أسماء المتابعين لابن المعتز... وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد في دجلة، ففعل ذلك، وسكن النَّاس، وكثر الشَّاكرون»(مسكويه، تجارب الأُمم وتعاقب الهمم).

أما ثالثة التَّجارب، التي يُعنى بها مِن النوادر، ما مارسه الظَّاهر بالله عندما تولى الخلافة، ووجد نفسه أمام خلق كثير ممن كان ضد سياسة أبيه، ومن عادة أبيه النَّاصر لدين الله «أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، وهذا ما يعرف بالمخابرات اليوم، فلما ولى ابنه الظاهر أمر بتبطيل ذلك كله، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم»، وأطلق من كان منهم في السجون (ابن كثير، البداية والنهاية).

أما إطلاق مَن في السجون مِن المخالفين، غير الخطيرين، فقد مارسه ولاة العهود بعد تولي الأمر، لكنه لأيام محدودة، ولم تكن سياسة راسخة. لقد قضت الألوف مِن البشر، مِن السلطة السابقة وأعوانها، ولم يتم الاكتفاء بهؤلاء، بل تعدى الانتقام إلى الطائفة والعِرق، مذابحُ تولد مذابحَ، والشّعار: إزهاق الباطل وإحقاق الحقّ، فما زالت المنطقة تغلي، في أكثر مِن مكان، حروب داخليّة، وقودها ما حصل قبل قرون، فبها تُحرك عواطف الانتقام، وتصور الأمر معكوساً، والجميع يحسبونها حقوقاً مقدسة.

*كاتب عراقي
     



إقرأ المزيد