تحطُّم الهيغلية واستعادة الإنسان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم يكن نسق هيغل مجرّد بناءٍ فلسفيٍّ محكم، بل كان ادّعاءً كونيّاً بأن العقل قادر على استيعاب العالَم كلّه داخل حركة مفهومية واحدة، تُمسك بالتاريخ، والدولة، والروح، والإنسان، في آنٍ واحد. لقد بدا هذا النسق، في ذروة القرن التاسع عشر، كأنه المعبد الأخير للعقل الغربي، حيث يُعاد ترتيب الوجود وفق منطق الضرورة، وتُردّ التناقضات إلى مصالحة عُليا داخل مفهوم «الروح المطلقة». غير أن المفارقة العميقة في الهيغلية لا تكمن في اكتمالها، بل في أنها أنجبت، من داخل صرامتها، أعنف أشكال التمرّد عليها. كأن النسق، في سعيه إلى الإحاطة بكل شيء، فتح البابَ لسؤال لم يكن قادراً على احتوائه: ماذا عن الإنسان حين لا يعود جزءاً مِن الخطة؟
أولى الصدمات جاءت من حيث لم يتوقعها النسق: من الفرد. لقد وقف كيركجورد أمام الهيغلية لا بوصفه ناقداً منطقيّاً، بل بوصفه كائناً موجوداً، قلقاً، متورّطاً في الحياة. لم يهاجم الجدل من حيث هو أداة عقلية، بل رفض أن يتحوّل الوجود الإنساني إلى مثالٍ توضيحي داخل كتاب فلسفي. وبالنسبة إليه، لا يُعاش الإنسان بوصفه لحظةً في تطوّر الروح، بل بوصفه ذاتاً تختار، تخطئ، وتتحمّل وحدتَها أمام الوجود. هنا انكسر ادّعاء الشمول: فالنسق الذي يفسّر كل شيء، يَعجز عن تفسير التجربة الفردية حين تُعاش من الداخل. ومع كيركجورد، لم تَعُد الحقيقة مسألة تطابقٍ بين الفكر والواقع، بل صارت مسألة علاقة، ومعاناة، والتزام ذاتي لا يقبل التعميم.
والصدمة الثانية جاءت من الأرض، لا من الذات، ففيويرباخ لم يناقش هيغل في تفاصيل منطقه، بل سحب البساطَ من تحته عبر إعادة توجيه السؤال: لماذا تبدأ الفلسفة من السماء بدل أن تبدأ من الإنسان؟ رأى أن المطلق الذي تتغنّى به المثالية ليس سوى إسقاطٍ إنسانيٍّ مُضخّم، وأن ما سُمّي «روحاً» لم يكن إلا الإنسان وقد نَسي نفسَه. وبهذا التحويل، تحرّرت الفلسفة من قداسة الفكرة، وعادت إلى الجسد، والطبيعة، والحسّ. لم يعد الإنسان تجلّياً للروح، بل صارت الروح تعبيراً عن الإنسان. كان ذلك انقلاباً هادئاً، لكنه حاسم: فالفلسفة لم تَعُد مطالبة بتفسير العالَم من علٍ، بل بفهم الإنسان في محدوديّته، وحاجته، وعلاقته بالعالم المادي.
أما الصدمة الثالثة، فكانت اجتماعية تاريخية بامتياز. ماركس لم يهدم الهيغلية، بل أعاد توجيهها. احتفظ بالجدل، لكنه نزعه من عليائه، وأعاده إلى حركة المجتمع والتاريخ. لم تعد الدولة تجلّياً للعقل، بل صارت بنية صراعية تحكمها علاقات إنتاج وقوى مادية. ولم يعد الفكر أصل الواقع، بل نتيجة له. وبهذا التحول، خرجت الفلسفة من فضاء التأمل الخالص إلى ميدان الصراع، وصار السؤال الفلسفي مرتبطاً بالعمل والاقتصاد والهيمنة. لم يعد التاريخ مساراً عقلانيّاً ضروريّاً، بل ساحة مفتوحة على التغيير والفعل والانكسار.
 هذه الصدمات الثلاث لم تُلغِ هيغل، بل كشفت حدودَه. لقد أظهرت أن العالَم أوسع من أي نسق، وأن الإنسان يفيض عن كل محاولة لاحتوائه داخل مخطط مفهومي مغلق. من هنا، انتقلت الفلسفة من وهم الكلّية إلى الاعتراف بالتعدّد: تعدّد الذوات، وتعدّد الأجساد، وتعدّد التواريخ. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق: أن الفلسفة لا تحيا حين تمتلك الحقيقة، بل حين تُجبر، مرة بعد مرة، على مغادرة معابدها، والإنصات لصوت الإنسان وهو يتشكّل خارج كل نسق مكتمل.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد