الأقنعة المقدسة والنفوس المظلمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يُعد النفاق الديني من أخطر الآفات التي تصيب المجتمعات، لأن أصحابه لا يكتفون بخداع البشر، بل يحاولون في توهمهم العبثي التحايل على الخالق سبحانه وتعالى. إنه «الحيلة الأسهل» التي يلجأ إليها المتدينون ظاهرياً لشرعنة أخطائهم وتبرير خطاياهم، حيث يصبح المظهر الديني الملموس، كالحديث المستمر باللغة الدينية وممارسة الطقوس الديني في الميادين والشوارع.. مجرد واجهة لستر نوايا مظلمة ونفوس غارقة في المعاصي والكراهية. تظهر وتكمن قوة تجربة النفاق الديني في أنها تمنح المنافق «راحة ضمير» زائفة، فهو يعتقد أنه طالما يغالي في إظهار الطقوس والشعائر، فإنه قد اشترى صمت المجتمع. هذا النوع من «المرائيين» يستخدم المقدس كعطر ليغطي به رائحة لكريهة، فكلما زادت بشاعة النفس وبغضها للآخرين، زادت حاجتها للمبالغة في الورع الشكلي كآلية دفاعية.

أوضح تجليات هذا النفاق تظهر في المجتمعات التي ترفع شعارات الطهر والعفة ليلاً نهاراً، بينما تسجل أعلى معدلات التحرش والرذيلة. هنا يصبح الدين وسيلة «للقمع المظهري» فقط، دون أن يتحول إلى «وازع داخلي».

المتحدثون عن العفة غالباً ما يكونون هم الأكثر هوساً بما يحرمونه، لأنهم فصلوا الدين عن الأخلاق وحوّلوه إلى مجرد حارس على أجساد الآخرين، وليس مطهراً لنفوسهم هم. نرى النفاق الديني أيضاً عندما تُصبغ كل مناحي الحياة بصبغة دينية شكلية وبقداسة مصطنعة. فيُذكر اسم الله والأنبياء والكتب المقدسة في كل جملة، ويدّعي الناس أنهم أكثر البشر تديناً، بينما الواقع يكشف تخلفاً في العلم، وتأخراً في الصناعة، وفساداً في المعاملات اليومية، وانعداماً للأمانة، وتفشياً للفساد والنفاق.

إن ادعاء التدين في ظل الفشل الحضاري هو محاولة للهروب من استحقاقات الواقع المرير إلى استعلاء وهمي بالانتماء للدين، وصبغ التخلف بصبغة مقدسة. من الأمثلة الواضحة على النفاق الديني الدعاة في دعاة الأخلاق الشرسين، الذين يهاجمون الحريات والنساء في العلن، بينما في حياته الخاصة غارقين في ممارسات منافية تماماً لما يدعو إليه، وتجار الدين الذين يستخدمون الآيات المقدسة أو الأحاديث لتسويق منتجات مغشوشة أو تبرير مواقف سياسية متناقضة وكذلك المتدين العنصري، الذي يصلي ويصوم لكنه يحمل قلباً مليئاً بالبغض لمن يختلف معه في المذهب أو الدين، ويمارس التنمر والإقصاء باسم الحق الإلهي.

يمكن ملاحظة النفاق الديني بوضوح كذلك في بعض الحركات الدينية السياسية، التي ترفع شعار «تطبيق الشريعة» بوصفه مشروعاً خلاصياً، بينما تمارس –عند وصولها إلى السلطة أو اقترابها منها– أنماطاً من القمع والفساد باسم الدين. تستعمل هذه الجماعات النصوص الدينية لتخوين الخصوم السياسيين ووسمهم بالعلمانية أو الردة، وتختزل الإيمان في الانتماء التنظيمي والطاعة العمياء.

في هذا النموذج يصبح الدين أداة للسيطرة لا منظومة قيم، ويُبرَّر الكذب، وإقصاء المعارضين، بل وسفك الدم أحياناً، باسم «نصرة الدين»، بينما تُهمل القيم الجوهرية التي أكدها الدين نفسه مثل العدل، وحرمة الإنسان، وصدق الأمانة.

وفي السياق الغربي يظهر النفاق الديني أيضاً في بعض التيارات اليمينية المتطرفة، خصوصاً حيث يُستَخدم الدين لتبرير سياسات عنصرية أو إقصائية تجاه المهاجرين والفقراء والأقليات. ترفع هذه الجماعات شعارات «الدفاع عن العائلة»، بينما تدعم سياسات تناقض جوهر تعاليم الدين القائمة على المحبة والرحمة ومساعدة الضعفاء.

هنا يتحوّل الإيمان إلى هوية ثقافية مغلقة وسلاح انتخابي، ويُختزل في رمز قومي، لا في رسالة أخلاقية كونية، ويُستدعى الدين لتجميل أنانية سياسية لا علاقة لها بروح القيم الدينية الحقيقية. إن مواجهة النفاق الديني لا تكون بمهاجمة الدين، بل باسترداد «الأخلاق» كجوهر للدين. وللمجابهة نحتاج إلى فك الارتباط بين الشكل والجوهر. يجب ألا يمنح المجتمع صكوك الغفران والنزاهة لأي شخص بناءً على مظهره الديني فقط. الأمانة في العمل والصدق في القول هما المقياس الحقيقي للتدين. كما يجب تعزيز الصدق مع الذات وتربية النشأ والأجيال الشابة على أن «الدين المعاملة» وليس مجرد نصوص تُحفظ أو طقوس تُؤدى. والتربية على النقد الذاتي والشجاعة ومجابهة المرائيين وكشف تناقضاتهم بدلاً من الخضوع لـ«إرهابهم الديني».

لا يمكن علاج النفاق الديني إلا ببناء التدين على القيم الإنسانية الشاملة والعودة إلى المبادئ الكبرى مثل (العدل، الرحمة، الصدق، الأمانة) كمعايير أولية لتقييم أي إنسان، قبل النظر في طقوسه التعبدية. المتدين الحقيقي ليس من يحفظ الكتب المقدسة أو يجاهر بممارسة الشعائر الدينية، وإنما هو من يظهر تدينه عبر أفعال اليومية ومن خلال حياة تقوم على النزاهة الأخلاقية والاستقامة والصلاح في العلن كما في السر. إنه الشخص الذي سَلِم الناس جميعاً من لسانه ومن أذاه قولاً وفعلاً. إنه الشخص الذي يعرف يقيا أن النفاق الديني هو موت للروح وإفراغ للدين من معناه السامي. والطريق الوحيد للشفاء منه هو أن ندرك أن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، ولا ينظر إلى صوركم وأموالكم. 



إقرأ المزيد