ما بين الدولة والأيديولوجيا: لماذا يتعثر العمل العربي المشترك؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كثيراً ما يُتداول توصيف الجامعة العربية بأنها «مؤسسة فاشلة»، وأن وجودها لم يغيّر شيئاً في واقع الأزمات العربية المتلاحقة. غير أن هذا الحكم، على شيوعه، يتجاهل حقيقة أساسية: أن الجامعة العربية لم تُنشأ أصلاً كجهاز تنفيذي يفرض القرار العربي، بل كإطار تنسيقي يعكس حدود التوافق بين الدول الأعضاء. ومن هنا، فإن الخلل لم يكن في وجودها بحد ذاته، بل في تضخيم دور لم تُصمَّم للقيام به، ثم محاسبتها على نتائج لم تكن تملك أدوات تحقيقها.فالجامعة العربية قامت منذ تأسيسها على مبدأ التوافق لا الإلزام. هي مرآة للإرادة العربية المشتركة، لا بديلاً عنها. وحين يكون القرار العربي منقسماً، تنعكس هذه الانقسامات مباشرة على مخرجاتها، فتبدو ضعيفة أو شكلية. لذلك، فإن وصفها بالفشل يغفل أن الأزمة الأعمق تكمن في غياب إجماع عربي واضح حول تعريف الأمن، وأولويات الاستقرار، وحدود التدخل، وطبيعة الدولة التي يُراد حمايتها.
في هذا السياق، برزت الخلافات بين عدد من الدول العربية والخليجية، ومن بينها الخلاف مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وهذه الخلافات، في جوهرها، ليست خلافات على مبدأ التعاون أو المصير المشترك، بل على منهج الفعل وطريقة إدارة القرار الإقليمي. فالإمارات اختارت أن تبني سياساتها على قراءة سيادية مستقلة، ومتمسكة في الوقت ذاته بالتعاون الخليجي والعربي ضمن إطار الاحترام المتبادل وتكامل الأدوار. هذا النهج فُسِّر لدى بعض الأطراف، وفي مراحل معينة، على أنه خروج عن الاصطفاف التقليدي، لا اختلاف مشروعاً في الرؤية.
وزادت حدّة هذا التباين المواجهة الواضحة التي تبنّتها الإمارات ضد الأيديولوجيات العابرة للحدود، وتقديمها مفهوم الدولة الوطنية والمؤسسة على أي خطاب تعبوي أو شعاراتي. فالتجربة العربية خلال العقد الماضي كشفت بوضوح أن تيارات الإسلام السياسي، حين اقتربت من السلطة أو جلست في مواقع القرار، لم تعمل على ترسيخ الدولة أو تقوية المؤسسات، بل سعت إلى إعادة تشكيل القرار الوطني بما يخدم تنظيمها وأجنداتها، ولو كان الثمن تفكيك الدولة ذاتها. وما جرى في مصر بعد عام 2011 مثال صارخ على محاولة اختطاف الدولة باسم «الشرعية»، وتحويل الخلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي حاد كاد يعصف بالوطن.

ومن هذا المنطلق، يصبح من المنطقي أن تكون أي مؤسسة عربية جامعة، وعلى رأسها الجامعة العربية، هدفاً دائماً لمحاولات الإضعاف والتشويه. فوجود إطار عربي توافقي، حتى وإن كان محدود الصلاحيات، يتناقض جوهرياً مع منطق هذه التيارات القائم على الاستقطاب والانقسام. لذلك، فإن تغذية الخلافات العربية–العربية، وبث الشكوك بين الدول، وتحويل التباينات السياسية إلى خصومات وجودية، ليست نتائج عرضية، بل سلوكاً يخدم أجندات لا تؤمن بفكرة الدولة الوطنية.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري للإعلام في توجيه المجتمعات وصناعة الوعي. فقد أثبتت التجربة أن المنصات الإعلامية العابرة للحدود قادرة على زرع الانقسام وتكريس السرديات، وتشويه أي مسعى عربي جامع. وحين يكون هذا الإعلام مرتبطاً بمشاريع سياسية أو أيديولوجية، فإنه يتحول إلى أداة ضغط لا تقل خطورة عن أي وسيلة أخرى، تُستخدم لتقويض الثقة بالمؤسسات، وشيطنة كل من يقف في وجه هذه المشاريع.
إلى جانب ذلك، قدّمت الإمارات نموذجاً مختلفاً في التنمية والاستقرار وإدارة الملفات الإقليمية بهدوء ودون ضجيج. وفي السياسة، كثيراً ما يُهاجَم النموذج الناجح بدل مراجعته، لأن الاعتراف بالنجاح يستدعي مساءلة الفشل.
الخلاصة أن ما يُوصَف بالعداء تجاه الإمارات ينبع من اختلافها عن السائد في تعريف الأمن، وفي مفهوم الدولة، وفي استقلال القرار. ومع غياب إجماع عربي حقيقي، تصبح أي دولة تسلك مساراً مستقلاً وناجحاً هدفاً للهجوم، لا لأنها خطر، بل لأنها تكشف حجم الفراغ الذي خلّفه غياب الرؤية المشتركة. إن التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة الاعتبار لعقل الدولة، وبناء توافق خليجي وعربي يحمي المؤسسات، ويمنع تحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومات تستنزف الجميع.

*لواء ركن طيار متقاعد 



إقرأ المزيد