جريدة الإتحاد - 1/15/2026 10:56:30 PM - GMT (+4 )
في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، ومع اتجاه العديد من القوى الدولية نحو الانكفاء على مصالحها القُطرية الضيقة، تبرز الرؤية السياسية لقيادة دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً يعيد صياغة معنى القيادة في القرن الحادي والعشرين. فهذه الرؤية، التي يقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله لا تنحصر في إدارة الشأن العام بالمعنى التقليدي داخلياً وخارجياً، بل تقوم على فلسفة شاملة ومتماسكة، تستند إلى ثلاثية مترابطة: العروبة محوراً، والإنسانية منهجاً، والأخلاق مبدأً.
وهذه الثلاثية ليست عبارات إنشائية تُستدعى في المناسبات الرسمية، بل تمثل ركائز أصيلة في العقيدة السياسية للدولة، وبوصلة تسترشد بها في صياغة المواقف واتخاذ القرارات السيادية، بما جعل حضور الإمارات يتعاظم عربياً ودولياً بوصفها جسراً بين وضوح الهوية واتساع الأفق الإنساني وصلابة المعيار الأخلاقي. العروبة محوراً: الانتماء بوصفه مسؤولية تاريخية ووحدة مصير تنطلق قيادة دولة الإمارات من قناعة راسخة بأن الدولة لا تشكّل كياناً معزولاً عن محيطها العربي، بل تمثل جزءاً حيوياً في نسيج الأمة.
فالعروبة، في هذا التصور السياسي، لا تُختزل في وحدة اللغة أو استدعاء ماضٍ تاريخي مشترك، بل تُفهم بوصفها قدراً جماعياً ومصيراً واحداً يحمّل الدول القادرة مسؤولية التضامن مع أشقائها في أوقات الأزمات والملمّات.
وانطلاقاً من هذا الفهم، لم تبقَ العروبة مجرد شعار سياسي، بل تحوّلت إلى التزام استراتيجي تتجسّد معالمه في مواجهة أشكال التدخل الخارجي الهادفة إلى زعزعة استقرار الدول العربية أو النيل من مقدّرات شعوبها، وفي ترسيخ منطق الدولة الوطنية بوصفه الضامن الأول لوحدة المجتمعات العربية وأمنها.
وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح في السياسة الخارجية الإماراتية التي وضعت القضايا العربية في صدارة أولوياتها. فاستقرار عواصم رئيسية مثل القاهرة وبغداد ودمشق يُنظر إليه، ضمن منظور الدولة للأمن الإقليمي، بوصفه امتداداً مباشراً لأمن واستقرار أبوظبي. ولذا فقد جاءت المواقف الإماراتية حيال الأزمات الإقليمية الكبرى تعبيراً عملياً عن الالتزام، إذ اضطلعت الدولة بدور فاعل في التصدي لمشاريع الفوضى، وكانت من أبرز الداعمين لتعزيز المؤسسات الوطنية العربية حفاظاً على تماسكها في مواجهة العواصف السياسية التي اجتاحت المنطقة خلال العقدين الماضيين.
الإنسانية منهجاً: من الإغاثة الطارئة إلى التمكين التنموي الشامل وإذا كانت العروبة تمثل المحور والمنطلق في الرؤية الإماراتية، فإن الإنسانية تشكّل القيمة المركزية التي توجه منهج الدولة العملي في تفاعلها مع العالم. وضمن هذا البُعد القيمي، أحدثت القيادة الإماراتية تحولاً نوعياً في فلسفة العمل الإنساني، متجاوزة التصورات التي تحصره في «مساعدات طارئة» أو «هبات ظرفية»، إلى تصور أكثر عمقاً واستدامة يقوم على التمكين التنموي بوصفه أساساً لبناء الاستقرار.
فالدولة لم تكتفِ بإرسال المساعدات الغذائية والطبية، بل تبنّت نهجاً يركز على استعادة مقومات الحياة في المجتمعات المتضررة، عبر دعم البنية التحتية والخدمات الحيوية، من تأسيس المستشفيات ودعم الأنظمة التعليمية، إلى مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما في البيئات التي تعاني من أزمات مزمنة وتحتاج إلى حلول طويلة الأمد. وتبرز الأمثلة الميدانية في هذا السياق بوضوح، ففي قطاع غزة مثلت مبادرات الدولة، ومنها عملية «الفارس الشهم 3»، شريان حياة لم يقتصر على الإغاثة التموينية، بل امتد إلى مشاريع خدمية أساسية مثل محطات تحلية المياه والمستشفيات الميدانية، بما يهدف إلى استدامة الخدمات، التي تمس حياة الناس مباشرة. وفي اليمن والسودان تعزّز الحضور الإماراتي عبر مقاربة تربط بين الاستجابة الإنسانية وإعادة تأهيل مقومات التعافي من خلال دعم المدارس والمرافق الحيوية وشبكات الخدمات، انطلاقاً من قناعة بأن معالجة جذور الفقر والجهل، تمثل ركناً أساسياً في تحصين المجتمعات من التطرف والعنف. وهكذا يُعاد تعريف الغاية من العمل الإغاثي ليكون أداة نقل للمجتمعات من دائرة العوز إلى مسار الإنتاج والاعتماد الذاتي، بما يجعل الأثر ممتداً بعد انقضاء لحظة الأزمة. الأخلاق مبدأً: السياسة في حضرة القيم والشهامة أما عن أبرز ما يميّز النهج القيادي لدولة الإمارات، فذلك الطابع الأخلاقي الصارم الذي يوجّه الممارسة السياسية، في وقت تهيمن فيه البراغماتية وتقلبات المصالح على علاقات القوى الإقليمية والدولية.
فبتوجيهات قيادتها الرشيدة تلتزم الدولة بقيم الصدق والوفاء بالعهد في التعامل مع الأصدقاء والخصوم على حد سواء، وهو التزام لم يُضعف من مكانتها الدبلوماسية حتى في أحلك أوقات الخلاف، بل أسهم في ترسيخ قوتها الناعمة وتعزيز موقع أبوظبي وسيطاً موثوقاً لدى طيف واسع من الأطراف المتنازعة. وترتبط الأخلاق في هذا التصور بمفهوم الشهامة العربية في أسمى صورها، إذ لا تتخلى الدولة عن أشقائها في المحن مهما تعقدت الحسابات السياسية، كما لا تساوم على كرامة الإنسان مقابل مكاسب جيوسياسية مؤقتة. وقد كان لهذا الالتزام الأخلاقي الواضح أثر بالغ في بناء جسور الثقة مع المجتمع الدولي، إذ باتت كلمة الإمارات تُفهم على أنها عهد، وتُقرأ مواقفها بوصفها امتداداً لمنظومة قيم أصيلة متجذرة في ثقافة البلاد، لا انعكاساً لأجندات خفية أو أهداف نفوذ عابر. إنها سياسة تُعلي من شأن الإنسان، وتنحاز إلى الحق، وتضع المبادئ في مرتبة تتقدم على حسابات المكاسب قصيرة الأجل. ويتبلور بناءً على هذا النسق الثلاثي المتكامل -العروبة انتماءً، والإنسانية منهجاً، والأخلاق مبدأً- في تجربة الإمارات نموذجٌ معاصر للعروبة ينفتح على المستقبل بثقة. وفي ظل هذه الرؤية التي يقودها صاحب السمو رئيس الدولة، رسّخت الإمارات مشاريع استراتيجية كبرى، من تطوير برامج الطاقة النووية السلمية، إلى إطلاق «مسبار الأمل» نحو كوكب المريخ، واستضافة كبريات الفعاليات الدولية، بما يؤكد أن الإنسان العربي، حين تتوفر له قيادة ملهمة وبيئة مُمكِّنة، قادر على الإسهام في الحضارة الإنسانية الحديثة كما أسهم فيها في عصورها السابقة.
وعلى أسس هذه الثلاثية ذاتها تتجلى ثمرة النهج السياسي الإماراتي في تحولات نوعية أبرزها: أولاً: الانتقال من مفهوم الاستقرار الأمني إلى مفهوم «الأمن التنموي المستدام»، فالأمن، في الرؤية الإماراتية، لا يُختزل في الأدوات العسكرية أو الإجراءات الأمنية الصارمة، بل يتحقق عبر الاستقرار التنموي ومعالجة الجذور العميقة للأزمات. ومن هنا تطورت المقاربة من «إدارة الأزمة» إلى تقليص مسبّباتها، بحيث لم يعُد دعم الأشقاء يُقاس بحجم المساعدات المالية وحدها، بل بمقدار ما يتركه من مشاريع تُعزز المعرفة، وتخلق فرص العمل، وتؤمّن احتياجات المجتمعات في الطاقة والمياه، وتُسهم في توطين التكنولوجيا. ويتكئ هذا التوجه على قناعة بأن «الإنسان العربي المنتج» يمثل السد المنيع في وجه التطرف والاختراق، لذلك تركزت الاستثمارات على القطاعات المستقبلية كالهيدروجين الأخضر، والتحول الرقمي، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي.
ثانيًا: ريادة القوة الناعمة واسترداد الثقة في الذات العربية كما أسهمت القيادة الإماراتية في ريادة القوة الناعمة واسترداد الثقة في الذات العربية. ففي وقت ساد فيه الخطاب المتشائم والنظرة السوداوية، قدمت الدولة نموذجاً عربياً متقدماً قادراً على النجاح عالمياً مع الحفاظ على الهوية. وعندما بلغ «مسبار الأمل» كوكب المريخ، تحولت اللحظة إلى رسالة أمل للعواصم العربية، بأن العقل العربي قادر على دخول «نادي الكبار» والمساهمة في صناعة مستقبل البشرية، وأن العروبة ليست انغلاقاً، بل انفتاحاً واثقاً يفرض احترامه عبر المنجز العلمي والتقدم الحضاري. وتكرّس هذا الدور عبر ترسيخ مكانة أبوظبي مركزاً علمياً وثقافياً ومنصة لحوار الأديان والثقافات، وفضاءً جامعاً لخبرات الأمة ومبدعيها. ثالثاً: مأسسة القيم.. العروبة كمنظومة عمل مؤسسية وفي موازاة ذلك، تطورت «الشهامة العربية» في النهج الإماراتي من استجابة عاطفية إلى سياسة دولة ذات طابع مؤسسي. فمواقف الإمارات تجاه قضايا الأمة، أصبحت جزءاً من بنية الدولة وخياراتها السيادية، بما منحها قدراً أعلى من الاستقرار والاستدامة، ورسّخ الثقة بها شريكاً موثوقاً في دعم بناء المؤسسات الوطنية العربية.
وينبع هذا من قناعة بأن الدولة الوطنية تمثل الحصن الأخير لمستقبل العرب، لذلك تتركز الجهود على تعزيز ركائزها، وتقوية منظومات العدالة، وتطوير الكفاءات الإدارية، وبناء هياكل قادرة على صون كرامة المواطن وحماية استقرار الدولة. رابعاً: الاستشراف كضرورة.. القيادة بالرؤية لا بردود الأفعال ويأتي الاستشراف في قلب هذا النهج بوصفه ضرورة، إذ يتسم بالاستباق والقيادة بالرؤية لا بردود الأفعال. فبدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات عند وقوعها، تقوم المقاربة على استشراف التحديات قبل تشكلها، عبر التأسيس المنهجي لمرحلة ما بعد النفط، وتطوير منظومة التعليم، وبناء نموذج للحوكمة الرشيدة وسهولة ممارسة الأعمال والتميُّز المؤسسي.
وباتت الإمارات، في ظل هذه الرؤية، أشبه ببيت خبرة تنموي يقدم للأشقاء العرب نموذجاً ملهماً في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، ويُسهم في خلق «عدوى إيجابية» تحفّز على المنافسة في مضمار البناء والابتكار. في الختام، فإن العرب اليوم يقفون على أعتاب ما يمكن وصفه ب«نهضة عربية ثانية» لا تقوم على مشروع دولة واحدة، بل على جهود تشاركية تتوزع بين الأقطار العربية كلٌّ بحسب قدراته وإمكاناته. ويُتوقع أن يكون لدولة الإمارات دور محوري في بلورة معالم هذه النهضة، بحكم ما راكمته من رصيد معرفي وتجربة قيادية أثبتت أن العروبة لم تعُد عبئاً تاريخياً، بل غدت محركاً حيوياً للمستقبل. فالرؤية الإماراتية تقوم على قناعة بأن الاستثمار في الإنسان العربي هو أسمى أشكال الاستثمار، وأن كرامة الإنسان تبدأ من ضمان حقه في تعليم جيد، وعمل كريم، ومستقبل آمن، وأن التنمية ضمانة للاستقرار لا مجرد ثمرة له.
وبفضل هذا النهج استحقت دولة الإمارات أن تتبوأ موقع «واسطة العقد» في المشروع العربي للقرن الحادي والعشرين، وأن تصبح مختبراً حياً للتعايش بين أكثر من مئتي جنسية. إنها مسيرة تنموية بدأت بـ«غرس زايد» وترسّخت بتواصل النهج في قيادة الدولة ورؤيتها، لتبقى الإمارات رمزاً متجدداً للعطاء ومنارة للحكمة وحصناً راسخاً لكرامة الإنسان في كل مكان.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


