جريدة الإتحاد - 1/15/2026 11:03:10 PM - GMT (+4 )
ليست السياسات الرصينة تلك التي تُولد في ضجيج اللحظة، ولا تلك التي تتغذّى على التصفيق السريع أو المواقف الانفعالية. السياسات التي تبقى هي تلك التي تسير بهدوء، وتثق بأن الأيام كفيلة بأن تمنحها شرعيتها. ومنذ نشأتها، اختارت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الطريق الصعب، طريق الرؤية بعيدة المدى، حيث تُقاس القرارات بما ستؤول إليه، لا بما يُقال عنها.
في ستينيات القرن الماضي، وقف الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في قلب الصحراء، ورسم بيده على الرمال ملامح مدينة لم تكن موجودة بعد. شوارع، ومرافق، وحياة مدنية كاملة، خطّها القائد المؤسس بثقة من يرى ما لا يراه الآخرون. يومها، بدا المشهد في نظر ضيوفه ضرباً من الخيال، أو حلماً يتجاوز حدود الممكن. لكن السنوات، التي لا تجامل أحداً، فعلت فعلها، وحين عاد أولئك الضيوف أنفسهم بعد عقود، وجدوا أن ما كان يُرسم على الرمال صار واقعاً حياً، ينبض بالحياة. لم تكن القصة قصة إعجاز، بل قصة رؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى خطوة خطوة.
هذه الروح لم تكن استثناءً، بل تحولت إلى نهج. فعندما اختارت الإمارات، وهي دولة فتية، أن تنفتح على العمل الإنساني، وأن تمد يدها بالعون خارج حدودها، ارتفعت أصوات تحذّر من أن هذا المسار قد يرهق اقتصادها، أو يبدد مواردها. غير أن الزمن، مرة أخرى، كان أكثر حكمة من المخاوف. فالإمارات لم تضعف، بل ازدادت قوة ومكانة، وتحولت إلى نموذج عالمي في العطاء المسؤول، واكتسبت عبر هذا النهج بعداً إنسانياً عميقاً، وقوة ناعمة لا تُصنع بالشعارات، بل بالفعل المتراكم.
وما قيل عن العمل الإنساني، قيل قبله عن البيئة. ففكرة حماية الطبيعة في قلب الصحراء، وتحويل مساحات قاحلة إلى محميات طبيعية، بدت لكثيرين أقرب إلى الرومانسية منها إلى الواقعية. لكن ما تحقق في صير بني ياس وغيرها من المحميات قلب المعادلة، وأثبت أن الرؤية حين تقترن بالإرادة تتحول إلى واقع. مرة أخرى، أنصفت الأيام الخيار الهادئ، وأسقطت الشكوك.
وفي السياسة العربية، لم تنجرّ الإمارات يوماً خلف المزاج السائد أو الانفعال الجماعي. بعد اتفاقية كامب ديفيد، ساد منطق القطيعة، واعتُبر الابتعاد عن مصر موقفاً قوميّاً. غير أن الشيخ زايد، بحدسه السياسي، رأى أبعد من اللحظة، وأدرك أن إقصاء دولة بحجم مصر لا يخدم الأمن القومي العربي، بل يضعفه. فاختار كسر القطيعة، لا تحدياً لأحد، بل دفاعاً عن مصلحة عربية عليا. ولم تمضِ سنوات حتى عاد الجميع ليكتشف أن ما بدا يوماً خروجاً عن الإجماع كان في جوهره قراءة صحيحة لمسار التاريخ.
ومنذ مطلع الثمانينيات، حذّر الشيخ زايد من مخاطر الإسلام السياسي، لا من موقع الخصومة الأيديولوجية، بل من منطلق الدولة والاستقرار. فقد رأى مبكراً أن التنظيمات العابرة للحدود، التي لا تعترف بولاء وطني، تحمل في داخلها بذور التفكيك والاضطراب. يومها، اعتبر البعض هذا التحذير مبالغاً فيه، لكن الأحداث التي عصفت بالمنطقة بعد أكثر من ثلاثة عقود من كلامه كشفت أن تجاهل تلك الرؤية كان ثمنه فادحاً.
وفي عام 2003، حين كانت المنطقة تقف على حافة حرب جديدة، تقدّم الشيخ زايد، رحمه الله، بمبادرة لتجنيب العراق ويلات الصراع، داعياً إلى حل سياسي يحفظ الدولة ويصون المجتمع. لم تجد المبادرة آذاناً صاغية، لكن ما تلاها من دمار وانقسام جعل كثيرين يدركون، بعد فوات الأوان، أن الحكمة لا تُقاس بمدى انتشارها في لحظتها، بل بصدقها مع المستقبل.
واليوم، فيما يشهد العالم العربي أحداثاً متسارعة وتحولات معقّدة، تواصل دولة الإمارات السير على النهج ذاته. تفعل ما يمليه عليها واجبها الأخلاقي والإنساني والسياسي، بهدوء ودون ضجيج، ومن غير انتظار لشكر أو تصفيق. فهي تعلم أن المواقف الصادقة لا تحتاج إلى تبرير، وأن العمل المسؤول لا يُقاس بردود الفعل الآنية، بل بما يتركه من أثر حين تهدأ العواصف.
خلاصة القول أن السياسة الإماراتية لم تُبنَ يوماً على المغامرة ولا على الانكفاء، بل على قراءة استشرافية تجمع بين الحدس العميق والخبرة المتراكمة، وتُغلّب المصالح العليا على الحسابات الضيقة. إنها سياسة تثق بالزمن، وتؤمن بأن التاريخ، مهما تأخر، لا يخطئ في حكمه.
وهكذا، ظل نهج الإمارات ثابتاً: هدوء في القرار، صبر في التنفيذ، وثقة بأن المستقبل، مهما طال، سينصف الرؤية الصائبة. فحين يسقط الضجيج تبقى الحقائق، ومع مرور الأيام تتكشّف الحكمة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


