جريدة الإتحاد - 1/16/2026 11:32:38 PM - GMT (+4 )
لم يكن اعتماد السابع عشر من يناير «يوماً للعزم الإماراتي» مجرد استجابة وجدانية لاعتداء إرهابي استهدف منشآت مدنية عام 2022، بل جاء بوصفه قراراً سيادياً واعياً أعاد تأطير حدث أمني خطير ضمن إطار قيمي أوسع، وحوّل لحظة تهديد إلى محطة لترسيخ قيمة وطنية أصيلة. فالدولة التي تواجه الخطر بالقيم، إنما تعيد ضبط المعادلة بين القوة والمعنى، وبين الردع والهوية، وتؤكد أن الأمن الحقيقي لا ينفصل عن منظومة الأخلاق التي تحكم استخدام القوة وتضبط اتجاهها. ولفهم الدلالة العميقة لاعتماد «يوم العزم الإماراتي»، لا بد من العودة أولاً إلى دلالات العزم في التجربة الإماراتية، وتحديداً في نهج مؤسس الدولة، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
وفي التجربة الإماراتية، لم تُختزل القوة في أدواتها الصلبة، بل أُعيد تعريفها أخلاقياً، ليصبح العزم وقيم النخوة أحد أشكال القوة المنضبطة لا نقيضها، وعنصراً أساسياً في تحقيق التوازن بين الحزم والمسؤولية. هذا المعنى المتقدّم الذي تحمله هذه القيم، جسّده الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مواقفه وسياساته، حتى غدت قيمة العزم جزءاً من هوية الدولة قبل اكتمال مؤسساتها الحديثة.
فقد تجلّت هذه القيم تجاه أبناء شعبه الذين عانوا طويلاً من شظف العيش وندرة الموارد وقسوة البيئة وغياب الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وسكن، في مرحلة سادها الفقر والاعتماد على الاقتصاد التقليدي قبل اكتشاف النفط. وقد استشعر الشيخ زايد هذه المعاناة عن قرب، فحوّل الإحساس الإنساني بالمسؤولية إلى سياسة تنموية عادلة وشاملة، بُني مشروع الدولة في إطارها على أساس أن كرامة المواطن وعدالة التنمية هما جوهر الاستقرار الحقيقي. ولم تكن هذه القيم في فكره شعاراً أخلاقياً، بل ممارسة يومية تحكم علاقة الدولة بشعبها.
ومع تولّيه الحكم في إمارة أبوظبي في أغسطس 1966، برزت هذه القيم عملياً في إحساسه العميق بمسؤوليته تجاه حاجات الإنسان الأساسية، حين بادر إلى وضع أول خطة تنموية خمسية (1968 - 1972)، لإرساء قواعد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ولم تقتصر هذه القيم على حدود أبوظبي، بل امتدت المساعدات التنموية آنذاك لتشمل الإمارات المجاورة، في تجسيد مبكر لرؤية وحدوية آمنت بأن التكافل والتنمية المشتركة هما الأساس الحقيقي لبناء دولة قوية ومتماسكة.
وقد شكّلت هذه السياسات النواة العملية التي مهّدت لتحقيق الاتحاد. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الاتحاد ذاته كان في جوهره عملاً من أعمال العزم والنخوة الرفيعة، نخوة قائد تجاه شعبه، وتجاه التاريخ، وتجاه المستقبل. فإن تجتمع سبع إمارات على كلمة واحدة في زمن الانقسامات لم يكن إنجازاً سياسياً فحسب، بل كان موقفاً أخلاقياً أعلن أن القيم قادرة على صناعة الدولة قبل اكتمال أدواتها. وقد آمن الشيخ زايد، منذ البدايات، بأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية بل بقدرتها على نصرة المظلوم، وحماية الإنسان، وصون الكرامة. ويتجلّى ذلك بوضوح في موقفه من الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990، حين أعلن رفضه القاطع للاحتلال، معتبراً ما جرى اعتداءً على بيت خليجي واحد، ومؤكداً أن الحق يجب أن يعود إلى أصحابه.
كما تكرّر هذا النهج في مواقفه الإنسانية تجاه الشعوب التي عانت من الحروب والمجاعات والفقر في الدول العربية والإسلامية، ودول قارتي آسيا وأفريقيا، حيث كانت المساعدات الإماراتية، ولا تزال على نهجه، تعبيراً عن قيم أصيلة لا تبحث عن ضجيج سياسي، بل عن أثر إنساني مستدام.
وفي امتداد مباشر لهذا الإرث، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أكثر من مناسبة أن «القيم التي تأسست عليها دولة الإمارات، وفي مقدمتها التضامن والتكاتف وتحمل المسؤولية، ستظل أساس نهجها في مواجهة التحديات». كما شدد سموه، عقب الاعتداء الإرهابي عام 2022، على أن الإمارات «ترد على الكراهية بالتسامح، وعلى العنف بالتكاتف، وعلى التهديد بتعزيز تماسكها الداخلي»، في تعبير واضح عن تحويل الخطر إلى لحظة وعي وطني جامع. ضمن هذا السياق، يصبح اعتماد «يوم العزم الإماراتي» امتداداً طبيعياً لإرث الشيخ زايد، لا ابتكاراً معزولاً عن تاريخ الدولة.
فالقرار يعكس انتقال النخوة من كونها سلوك قائد مؤسس إلى قيمة وطنية مؤسسية، تُستحضر وتُمارَس وتُورَّث للأجيال، وتُمارَس بالعقل، وتُدار بالحكمة، وتُقاس بقدرتها على حماية الإنسان والاستقرار معاً. ومن العادات العربية الأصيلة، الاعتزاز بالنفس والانتماء، والتي كانت تُستحضر في أوقات الشدة لتعكس الشجاعة والمسؤولية.
وفي تجربة الإمارات الحديثة، تجلّت هذه القيم بشكل استثنائي في قيادة الشيخ زايد وأبنائه، حتى أصبح مصطلح «عيال زايد» تعبيراً جامعاً عن هوية وطنية تنتخي بالقيم والشهامة والأخلاق الحميدة. وهكذا، لا يُمثّل «يوم العزم الإماراتي» ذكرى عابرة أو استجابة ظرفية، بل محطة سنوية لتجديد العهد مع منظومة قيم صنعت الدولة، وتحويلها إلى عقيدة وطنية راسخة، تحكم السلوك الداخلي، وتوجّه الموقف الخارجي، وتؤكد أن الإمارات، قيادة وشعباً، اختارت أن تواجه التحديات لا بانفعالات اللحظة، بل بأخلاق الدولة الواثقة، التي تعرف متى تكون حازمة، ومتى تكون رحيمة، ومتى تكون ثابتة على مبادئها.
*كاتب وباحث إماراتي
إقرأ المزيد


