جريدة الإتحاد - 1/16/2026 11:58:23 PM - GMT (+4 )
تمثل الهوية الوطنية الركيزة الأساسية التي تستند إليها المجتمعات في فهم ذاتها وبناء مستقبلها. وهي تتجسّد في مزيج فريد من التاريخ والقيم والعادات والتقاليد التي تُشكّل ملامح الشخصية الإماراتية. ومن هنا، يبرز «مهرجان الحصن» في أبوظبي بوصفه أحد أبرز الفعاليات الثقافية التي تحتفي بالتراث الوطني، وتعمل على إحيائه وتقديمه للأجيال المتعاقبة بأسلوب حديث وتفاعلي، يعيد ربط المجتمع بجذوره ويعزز حضور الهوية في الوعي العام. يقام المهرجان سنوياً في «قصر الحصن»، أقدم وأهم مبنى تاريخي في العاصمة، والشاهد الأكبر على نشأة أبوظبي وتطورها. ويُعدّ الموقع ذاته عنصراً رئيسياً في تجربة الزائر، فهو ليس مجرد موقع للاحتفال، بل وثيقة حية تسرد قصة الإمارة منذ بداياتها البسيطة وصولاً إلى حاضرها المزدهر.
إن وجود الفعاليات في هذا الفضاء التاريخي يمنح التجربة أصالة خاصة، ويجعل الزائر يعيش رحلة زمنية يتعرّف خلالها على مراحل تأسيس المجتمع الإماراتي ويستشعر القيم التي قامت عليها الدولة. ويتميّز «مهرجان الحصن» بقدرته على تقديم التراث الإماراتي بصورة مبتكرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
فالزائر يجد نفسه في قلب بيئة تفاعلية حيّة تتجسد فيها تقاليد الضيافة، وفنون الطهي، والحرف اليدوية، والأزياء التقليدية، والأهازيج الشعبية التي تنقل روح الحياة في الماضي. وتحرص الفعاليات على إشراك الجمهور في التجربة وليس مجرد عرضها أمامه، إذ يمكن للزائر المشاركة في الحرف، وتذوق الأطعمة المحلية، ومشاهدة طرق صناعة الأدوات القديمة، مما يعمّق الفهم ويخلق رابطاً وجدانياً مع التراث.
وتجدر الإشارة إلى أن دورة هذا العام تنطلق من 17 يناير إلى 1 فبراير 2026، ضمن نسخة موسعة تتضمن فعاليات جديدة موجهة لمختلف الأعمار، مع تعزيز الجانب التفاعلي مقارنة بالسنوات السابقة. ويأتي ذلك في إطار حرص المنظمين على تطوير التجربة وتوسيع مشاركة الزوار والمقيمين والسياح.
كما يمثل المهرجان مساحة للحوار الثقافي، حيث يجتمع المواطنون والمقيمون والزوار للتعرّف على التراث الإماراتي والتفاعل معه. هذا الانفتاح يعزز الاحترام المتبادل، ويقدم صورة واضحة عن قدرة الإمارات على الجمع بين الحداثة والأصالة داخل إطار واحد متماسك. ولا يمكن إغفال البعد السياحي للمهرجان، فأبوظبي تُعدّ نقطة جذب رئيسية للسياح، بفضل قدرتها على الجمع بين التاريخ والثقافة والحداثة والطبيعة.
ويبرز «مهرجان الحصن» كجزء أساسي من هذا التنوع، لأنه يقدم تجربة لا توفرها الوجهات الحديثة فقط. ففي يوم واحد، يمكن للسائح زيارة ناطحات السحاب والاستمتاع بالمعالم الحديثة، ثم الانتقال إلى قصر الحصن ليعيش أجواء تراثية تشمل الأسواق الشعبية والعروض التراثية والموسيقى وورش الأطفال.
أما محيط الحصن، فيُعد وجهة سياحية مكتملة بوجود «قصر الحصن»، و«بيت الحرفيين»، و«المجمع الثقافي». ويتكامل ذلك مع منظومة سياحية أوسع تشمل متاحف عالمية مثل «اللوفر أبوظبي»، ومدن ترفيه حديثة مثل «عالم فيراري» و«ياس ووتر وورلد» و«ورنر براذرز»، إلى جانب القلاع والمواقع التاريخية مثل «قلعة الجاهلي».
وفي الحقيقة، فإن المشهد السياحي في أبوظبي لا يتوقف عند ما تحقق، بل يمتد إلى مشاريع مستقبلية تعزز مكانتها كوجهة عالمية. فإلى جانب المعالم التراثية والمواقع التاريخية، تستعد العاصمة لافتتاح أول «ديزني لاند» في الشرق الأوسط على جزيرة ياس، وهو مشروع يُتوقع أن يُحدث نقلة نوعية في السياحة العائلية.
وعلى مستوى الأرقام، تشير المؤشرات إلى نمو قوي، إذ استقبلت أبوظبي أكثر من 4 ملايين زائر في النصف الأول من عام 2025 بزيادة بلغت 47% عن العام السابق. كما تستهدف استراتيجية السياحة لعام 2030 جذب 39.3 مليون زائر سنوياً، وتحقيق مساهمة تصل إلى 90 مليار درهم في الناتج المحلي، إلى جانب توفير 178 ألف فرصة عمل جديدة. هذه التطورات تؤكد أن الإمارة تبني منظومة سياحية متكاملة تجمع بين التراث والثقافة والترفيه العالمي.
وتبرز هنا أهمية الفعاليات التراثية مثل «مهرجان الحصن»، فهي تشكل جسراً حيّاً يربط بين الماضي العريق والحاضر المتطور، وتمنح المجتمع- مواطنين ومقيمين- فرصة لفهم جذور الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، وفي الوقت نفسه تقديم صورة حضارية للإمارات أمام العالم.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


