لماذا متحف زايد؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

سؤال الوجود يطرح نفسه على علامة بارزة في تاريخ الإمارات، والإنسانية، سؤال ينفتح على العالم كما هي أكمام الزهر، في فصل ربيعي مُترَع بالمطر، يرفُل بثوب النسائم الحريرية. وأنا أجول في متحف زايد الوطني، هذا المعقل التاريخي الزاهي بمشاهد تحمل عطر المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، شدّني ما يفوح به من وجهين التقيا عند مرآة أصفى من البرد، أنقى من السحابات الماطرة، وأكثر بياضاً من الموجة، على صهوة خليج أغرّ، هنا الشيخ زايد يتقبل مصافحة الوجه الوضيء، وهناك يستقبل همسة حب من راعي الجملة النبيلة، والعالم يتأمل، العالم يعيش مشهداً روحانياً سماوياً قلّ نظيره، ولا مقابل له إلا في الإمارات.
 هنا عند شغاف الصحراء والرمال الذهبية، كبرت الآمال، واتسعت حدقة الحلم، وتنامت شجرة، عند تلّة، ووادٍ، وشجرة الغاف تراقب عن كثب، كيف تحيي الأعشاب بعد مبيت، وكيف تستلقي الركاب على عشبة خضراء وتمضغ اليابسة، وتنظر للمدى وتستدعي الغيمة لعلها تخضّ السقا، ويهطل الغيث وتشرب عروق النخلة الجالسة عند واحة.
وهناك تكمن الحقيقة، حيث القادم كان جواد زايد الخير يحمل على عاتقه مسؤولية تطويع الصحراء كي تصبح ناقة حُبلى، وتصير الوديان، أنهاراً، والإنسان في خضم الميلاد المبارك، يفتح عينيه على مشاعر زعيم كأنها الشرايين تُغذّى عطش الظامئين وتحمي الرؤوس من اللّظى. 
اليوم وأنا أمضي بين المشاهد والصور، وأنظر إلى زايد الخير يستقبل تحية الودّ، والعرفان من رجل التسامح والغفران، أشعر برهبة الموقف، وجسامة المشهد، وفخامة القيم في بلد نشأ على شِيَم الجياد الأصيلة، وسارت خطواته ممتدة باتجاه التلال البعيدة، هناك حيث تقف النخلة تبجّل خطوات من أعطاها أمر الاخضرار من دون منِّة، ومن راعى جذرها كي تسمق، وتعشق، وتغني للحياة، أغنيات تفسر مدى علاقة زايد الخير بهذه المخلوقات السامية، ومدى حُبه لها، كما أحبها. شيء من الصخب، داهمني وأنا أعيش لحظات التجلي مع صورة كأنها الميلاد، لحياة جديدة في داخلي، وتخصّب جذور الكلمات، كما تزهر الأشجار في صباح ربيعي، يانع بالغيمة، يافع بالنسائم العليلة. خضتُ صراعاً مع الذات، صراعاً من نوع آخر، صراعاً يحتفي بقدرات الكلمة وهي تعكس صورة، وتنقش على صورة، وما عليه المخيلة، وتزخرف مفهوم إنسان أدرك أن للكلمة، كما للصورة، بهجة، ومهجة، ولجّة، في الأعماق تسكن المعاني، وفي العقل الباطن تتدحرج كرة الحلم الذي أسرج خيله، وأنفاسه تملأ الأفق، بسخونة اللقاء، ويا قلبي، قلت بتصعُّد، يا قلبي هذه صورة، وتلك كلمة، وبينهما تجيش مشاعر كأنها الريح تبحث عن مكان في الزمان، يخبئ فيه العاشق حُبه، ولا مكان سوى مشاهد الخير منثورة على تضاريس الأرض، كأنها الأحلام بين رموش، نعس، ذبل.



إقرأ المزيد