بين الضجيج والواقع.. رهان الإمارات على الحكمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، وتضيق فيه مساحات العقل لصالح الانفعال، تبرز المواقف الهادئة بوصفها أكثر المواقف شجاعة وتأثيراً. وفي هذا السياق، تأتي تصريحات معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، لتجسّد رؤية إماراتية راسخة لا تنظر إلى المنطقة من زاوية الصدام، بل من منظور الاستقرار طويل المدى، ولا تنجرف خلف ضجيج الشعارات، بل تميّز بوضوح بين ما يُثار في الفضاء الرقمي وما يجري فعلياً على أرض الواقع.
وحين تؤكد الإمارات أنها لا تريد حرباً جديدة في المنطقة، فهي لا تعبّر عن موقف عاطفي أو رغبة آنية، بل تقدّم خلاصة تجربة تاريخية قاسية عاشتها منطقتنا لعقود. فالحروب لم تصنع دولاً مستقرة، ولم تُنتج تنمية حقيقية، بل خلّفت دولاً منهكة، ومجتمعات ممزقة، واقتصادات عاجزة عن النهوض. ومن هنا، فإن الرهان الإماراتي على تجنّب التصعيد ليس انسحاباً من المسؤولية، بل قراءة استراتيجية واعية لكلفة الحروب سياسياً واقتصادياً وإنسانياً.
وفي حديثه عن إيران، يلامس هذا الطرح جوهر الأزمة بعيداً عن الخطاب الشعبوي. فإيران، كدولة وشعب، ليست بحاجة إلى مزيد من العزلة أو المواجهات المفتوحة، بل إلى صفقة عقلانية تعيد ربطها بالاقتصاد العالمي وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار الداخلي. الاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط عميقة انعكست على حياة المواطن اليومية، وأي مقاربة لا تضع هذا الواقع في صلب الحلول ستبقى مقاربة ناقصة، مهما ارتفعت نبرة الشعارات أو تصاعدت لغة التهديد.
غير أن البعد الأهم في هذا الموقف يتمثل في الدعوة الصريحة إلى الفصل بين «الضجيج» و«الواقع». نحن نعيش في عصر تُدار فيه كثير من المعارك على منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما تُدار في غرف القرار. جيوش من الحسابات الوهمية، أو ما يُعرف بـ«البوتات»، تتحرك وفق أجندات متبدلة: مرة باسم اليمن، ومرة باسم السودان، ومرة تحت أي عنوان طارئ. الهدف واحد: التشويش، التحريض، وبناء صورة ذهنية مشوهة تخدم صراعات لا علاقة لها بمصالح الشعوب ولا باستقرار الدول.

الإمارات، في هذا السياق، لا تدافع عن نفسها فحسب، بل تدافع عن فكرة الدولة العاقلة في الإقليم. دولة تفهم أن الأمن لا يُبنى بالصوت العالي، وأن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد التغريدات أو الحملات الرقمية، بل بقدرتك على أن تكون عنصر توازن، وجسراً للحلول، وشريكاً موثوقاً في زمن الاضطراب. هذه المقاربة لم تكن يوماً شعاراً نظرياً، بل ممارسة عملية انعكست في سياسات خارجية متزنة، وفي حضور دبلوماسي يسعى إلى تخفيف التوتر لا إلى توسيعه.
وتتجلى هنا مفارقة لافتة: كثير ممن يهاجمون الإمارات عبر هذه الحملات الرقمية هم أنفسهم من يفتقدون إلى مشروع واضح لبناء الدولة داخل بلدانهم. فيتحول الهجوم على نموذج ناجح إلى وسيلة للهروب من الأسئلة الصعبة في الداخل، ويغدو «الضجيج» أداة سياسية بديلة عن العمل الحقيقي، بينما يصبح التشويه أسهل من مواجهة الفشل أو معالجة أسبابه.
الرسالة الإماراتية واضحة في جوهرها وعميقة في أبعادها: المنطقة بحاجة إلى تهدئة لا إلى مغامرات، وإلى صفقات ذكية لا إلى شعارات فارغة، وإلى إعادة إعمار الإنسان قبل إعادة رسم خرائط النفوذ. وهي رسالة تنطلق من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لأي تنمية حقيقية ومستدامة.
في النهاية، قد يعلو الضجيج اليوم، وقد تتبدل عناوين الحملات غداً، لكن الواقع يبقى أكثر صلابة من أي خطاب عابر. والواقع يقول إن الدول التي اختارت طريق الحكمة، والاستثمار في الاستقرار، وبناء الجسور بدل حرقها، هي وحدها القادرة على الصمود وصناعة المستقبل. وهذا بالضبط ما تراهن عليه الإمارات.. بهدوء، وثقة، ودون حاجة إلى ضجيج.

*لواء ركن طيار متقاعد.



إقرأ المزيد