مسارات نتنياهو الجديدة.. تكتيكات مراوغة أم اتجاهات استراتيجية؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي إعادة إنتاج نفسه في الفترة المقبلة، استناداً إلى وقائع جديدة تطرح نفسها في الساحة السياسية الإسرائيلية وبعد أن حسم نهائياً ملف المحتجزين مؤخراً، وبدأت إسرائيل مرة أخرى جديدة للانتباه إلى ما هو أهم والخاص بالترتيبات الأمنية والعسكرية المقبلة في قطاع غزة، وعلى رأسها ملف نزع سلاح حركة «حماس» أولاً قبل بدء أي مشروعات للإعمار.
 سيعمل نتنياهو في مساحات أرحب وليس مقيداً بأية ضغوطات حقيقية من داخل الحكومة أو من خلال مكونات الائتلاف الراهن خاصة أن ما قام به من خطوات داخل «ليكود»، والسعي إلى إعادة ترتيب الأولويات الراهنة، وإجراء انتخابات داخلية، وإعادة ترتيب القيادات ما يمهّد له العمل في مساحات أخرى داخل أحزاب مكونات الائتلاف مع الحرص على استمرار مكونات الائتلاف إلى حين إجراء الانتخابات في نهاية العام، أو حتى قبلها نتيجة لأية متغيرات قد تحدث، وذلك بصرف النظر عن التمرير المدار للموازنة العامة ما يشير إلى أن نتنياهو سيعمل على ترتيب الأجواء وتمهيد الأرض، وحرثها قبل الذهاب لأية خطوات حزبية أو أمنية.
سيظل يراهن نتنياهو على الدعم الأميركي بصرف النظر عما سيجري من أية تجاذبات حقيقية في الفترة المقبلة ما قد يعطي دلالات بأن نتنياهو حريص على عدم مناكفة السياسة الأميركية أو شخص الرئيس ترامب ودخول الإدارة الأميركية على خط نزع سلاح حركة «حماس» عبر سلسلة من الإجراءات والتدابير والخطط البديلة وبصورة عاجلة، وهو ما سيدفع نتنياهو بالفعل للتعامل مع أي طرح أميركي ولو تكتيكياً. وبصرف النظر عن الاتهامات التي توجه لنتنياهو أنه ترك ملف غزة للجانبين الأميركي والمصري ليقررا ما سيجري.
يدرك نتنياهو بأنه مطالب بالتفاوض في المرحلة الثانية وفق خطة ترامب لكنه يتماشي مع طرحها، بل وسيعمل على التجاوب مع بنودها، وسيعمل على ترتيب حساباته بأن مسالة الأمن في القطاع ستكون مسؤولية إسرائيلية، وهو الأمر الثابت في الوقت الراهن من خلال رؤية أكثر أهمية واتساقاً مع ما سيجري من نزع سلاح حركة «حماس» بالكامل، بل والتحفظ على دمج عناصر الشرطة التابعة للحركة في دخول المؤسسات الفلسطينية، التي ستشكّل في قطاع غزة من خلال اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية، حيث لا تميّز الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خاصة «شاباك» بين الجناح العسكري لحركة «حماس» وأي جسم أمني ولو شرطة لضبط الأمن، خاصة أن إسرائيل قد تضطر لاحقاً إلى التعامل مع اللجنة الوطنية الفلسطينية، خاصة في القطاعات الخدمية، بل وستباشر مهامها من خلال «مجلس السلام»، الذي تشكّل إضافة إلى القوة الدولية المزمع تشكيلها الأمر الذي يعني أن نتنياهو سيتعامل مع أية تطورات جارية ومفصلية وفق قناعاته.
نتنياهو في حاجة بالفعل للتعامل مع شخص ترامب مدركاً أن الإدارة الأميركية سعيت من قبل للانفتاح على المعارضة الإسرائيلية، بل واستقبل الرئيس ترامب زعيم المعارض يائير لابيد في البيت الأبيض. ومن الوارد أن يتكرر الأمر في حال أية صدامات لنتنياهو مع الإدارة الأميركية لهذا فإن نتنياهو سيتجه نحو صُعُد ومستويات أخرى منها ما هو داخلي من خلال ترتيب الأولويات بهدف رفع شعبيته في الشارع الإسرائيلي، وتقليل الفجوة الراهنة بين المواقف والتوجهات الحالية، وتصاعد مدّ الأحزاب الأخرى بل وأطراف المعارضة يائير لابيد وبيني جانتس، مما قد يمثّل له هاجساً مستمراً.
 سيعمل نتنياهو في مساراته المستقبلية على تحجيم كل الأطراف الحزبية، بل ودفعها لحافة الهاوية مع التأكيد على أنه البطل الأسطوري للدولة وعنوان قوتها، ولهذا -ومن أجل تنفيذ ذلك التوجه- سيعمل على نقل رسالة للولايات المتحدة بأنه قوي ولا منافس حقيقي يقف أمامه وأنه سينطلق لتحقيق أهدافه، وأن ما يجري في غزة من ترتيبات لا تنفصل أبداً في تصوره عن أية أهداف أخرى في لبنان والجنوب السوري، وبما يعطي مؤشراً بأنه سيعلي من النزعة العسكرية بدليل أنه ناقش مؤخراً في «الكابينت» دخول المساحة الأخرى من قطاع غزة، والتي تسيطر علىها «حماس»، ونزع سلاح الحركة بالقوة العسكرية حال فشل كل الخيارات الأميركية المطروحة، وبما يؤكد أن الخيار العسكري لم يسقطه نتنياهو في تقييماته الراهنة التي يدعو ويتحرك من خلالها.
 وبالتالي فإن إسرائيل قد تتجه بالفعل إلى مرحلة أخرى مع نتنياهو ترتكز على إعادة تقييم المشهد الأمني في غزة مع تسكين باقي الجبهات، وفي انتظار ما ستسفر عنه ما يجري من احتمالات للمواجهة الإيرانية الأميركية أو استئناف سياسة التفاوض مجدداً في ظل الشروط الأميركية المستجدة..
سيراقب نتنياهو ما سيجري في الداخل الإسرائيلي، وفي حال استمرار محاكمته، فإنه سيعمل على تغيير قواعد التعامل مجدداً، بل وسيعمل من منظور مصلحي، وقد يذهب بإسرائيل إلى انتخابات مبكرة بل وقد يجدد العمليات العسكرية في غزة، ويسخن الجبهات الأخرى كأحد الخيارات المطروحة في المواجهة الراهنة والمتوقعة، ومن ثمّ تتعامل الإدارة الأميركية في غزة انطلاقاً من مقاربة لم تتغير ومقامرة لا تزال مطروحة بشأن تشكيل غزة الجديدة ومن خلال رؤية تختلف شكلاً ومضموناً عما تطرحه اللجنة الفلسطينية المستقلة، والتي تسعى إلى التعامل مع واقع يتشكّل ولو بصورة تدريجية وتحمل محددات معينة قد تتغير في أي وقت من خلال ممارسات نتنياهو على الأرض، ولتبقي كل الخيارات مطروحة وكل السيناريوهات واردة.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد