جريدة الإتحاد - 2/6/2026 11:48:34 PM - GMT (+4 )
في خمسينيات القرن العشرين تكوّن فريق ممن يمكن أن يطلق عليهم الاستراتيجيون المؤسسون يتكوّن من هيرمن كاهن وهينري كيسينجر وتوماس سيشلنج والبيرت هوليستيتر، وهم جميعاً من علماء السياسة الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية.
أولئك العلماء قاموا بتطوير المنهج الاستراتيجي في دراسة السياسة الخارجية، وكانوا مهتمين بالقدرة التدميرية الهائلة للأسلحة النووية، ويعتقدون بأن السلوك الإنساني يواجه نفوذاً من قبل مخاطر القوة واستخداماتها مثلهم في ذلك مثل تلامذة المدرسة الواقعية. لكن في حين أن الواقعيين قاموا بالنصح فقط باستخدام نطاق محدود من السياسات عند السعي في تحقيق المصلحة الوطنية كالانعزال والحياد والتحالفات والأمن الجماعي، قام الاستراتيجيون باستكشاف وسائل جديدة لردع الصراع في العصر النووي.
وقام الاستراتيجيون بدراسة مشكلة المدى الذي يصبح عنده من الضروري نشر الأسلحة النووية وتوجيهها بغرض عدم تشجيع قوة نووية ما بالنظر إلى ذاتها بأنها قادرة على توجيه الضربة النووية الأولى ضد دول أخرى، دون استقبال قدر غير مقبول من الدمار في المقابل. ويلاحظ بهذا الصدد بأن المقولات التي تم استخدامها من قبل الدارسين في هذا الحقل تمت استعارتها من علم الرياضيات، كنظرية اللعب Game theory ومنهج تحليل النظم. هذا الأمر نتج عنه أن نطاقاً كاملاً من الخيارات يتم أخذها بعين الاعتبار قبل التوصل إلى النتائج الحاسمة بدءاً من موضوع الاستسلام الكامل في الحروب مروراً بمباحثات السلام وانتهاء بعقد اتفاقيات السلام الملزمة. ويحدث ذلك عبر التكيف مع قساوة الحروب. لكن عند وقوع الحرب النووية يصبح جميع ذلك لاغياً.
جاء أصحاب المدرسة السلوكية لكي يطرحوا طرحاً مغايراً لما تطرحه الدراسات الوصفية، فهذه المدرسة تعتمد على المنهج العلمي التجربي. ومنذ نهاية خمسينيات القرن العشرين بدأ علماء العلوم الاجتماعية في طرح معرفتهم التخصصية في دراسة العلاقات الدولية ما أدى إلى اتساع المواضيع لكي تشمل أبعاداً من علم النفس والاجتماع والاقتصاد والدراسات الكمية. لذلك توجّس السلوكيون خيفة من أن تقع الحروب غير المقصودة بسبب عدم الفهم والإدراك والتدهور التدريجي للمشاكل التي لا يمكن السيطرة عليها.
إن الحروب قد تقع بسبب الحسابات الخاطئة عوضاً عن وقوعها عبر الإعداد لها كما هو الأمر بالنسبة لتجربة الولايات المتحدة في العراق، بمعنى أنها قد تقع كنتيجة لمعطيات خاطئة لحسابات الأسباب والمبررات والتكاليف والقيم الأخلاقية وقد تشن على أسس من المعلومات الخاطئة والمضللة. وعليه فقد نظر بعض المفكرين في الغرب إلى المنهج الاستراتيجي بأنه غير أخلاقي وأحياناً بأنه غير مفيد نظراً لكونه أكثر ميلاً للتسبب في الصراعات والحروب عوضاً عن منعها.
ختاماً، ما يمكن الإشارة إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الثورة السلوكية مفيدة في تحويل تركيز الدراسات إلى منهج قائم على التعاون بين المناهج المتعددة وبعيداً عن النظرة القائمة على مركزية الدولة في العلاقات الدولية، فإن المدرسة السلوكية بالغت في أهمية الأساليب الكمية في دراسة العلاقات الدولية، ودرجت على تجاهل عوامل وقوى غير مؤهلة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


