مخاطر الانتشار النووي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أوائل الستينيات، في ذروة الحرب الباردة، افترض العديد من قادة العالم أن الأسلحة النووية ستنتشر بسرعة. آنذاك حذّر الرئيس جون إف. كينيدي من أنّه في غضون عشرين عاماً، قد يصبح هناك اثنتا عشرة دولة أو أكثر، تمتلك أسلحة نووية. لم يكن ذلك ضرباً من التهويل. فالعلم النووي لم يعُد غامضاً أو نادراً، والقدرات الصناعية كانت تتوسع، ومنطق الردع بدا بسيطاً على نحو قاسٍ: إذا كان خصمك يمتلك القنبلة، فإن الحذر يقتضي أن تسعى إلى امتلاكها أيضاً.
لم تتحقق تلك التوقعات القاتمة. فقد وفّرت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968 لمعظم الدول بديلاً سياسياً وقانونياً عن السعي إلى التسلح النووي. فمن خلال قبول إجراءات الضمانات والتخلي عن الأسلحة النووية، حصلت الدول غير النووية على إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا النووية السلمية، والأهم من ذلك، على ضمانات أمنية من القوى النووية. وفي الوقت نفسه، عزّزت اتفاقيات الحد من التسلح مثل «سالت» ثم «ستارت» بين واشنطن وموسكو الاعتقاد بأن المارد النووي، بعد أن خرج من القمقم، يمكن على الأقل تقييده.
ولعدة عقود، استمر هذا الوضع. فقد نما عدد الدول المسلحة نووياً بوتيرة أبطأ بكثير مما خشيه كينيدي. وأصبحت الأسلحة النووية تُرى لا كرمز للحداثة، بل كأعباء مُكلّفة تجلب العُزلة الدبلوماسية والعقوبات والوصمة الأخلاقية. وبالنسبة للعديد من الحكومات، أصبح ضبط النفس هو الخيار العقلاني.
اليوم، تتلاشى هذه الثقة. فقد استخلصت الدول التي تخلّت طواعيةً عن أسلحة الدمار الشامل دروساً قاسية. لم يضمن قرار ليبيا بتفكيك برنامجها النووي أمناً طويل الأمد. كما أن تخلي أوكرانيا عن ترسانتها النووية التي ورثتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لم يمنع تعرضها للتدمير لاحقاً. ويستشهد الاستراتيجيون في أماكن أخرى بهذه التجارب، بهدوء ولكن بإصرار، كقصص تحذيرية لا كنماذج يُحتذى بها.
وفي الوقت نفسه، تتراجع الثقة في مظلّة الردع الممتد. فالحلفاء الذين اعتمدوا طويلاً على المظلة النووية الأميركية باتوا يشككون في موثوقيتها وسط الاستقطاب الداخلي في الولايات المتحدة ونهج أكثر نفعية في إدارة التحالفات. كما أن روسيا توسّع وتحدّث قواتها النووية، بينما تبني الصين ترسانة أكبر وأكثر تطوراً بكثير مما توقّع معظم المحللين قبل عقد من الزمن. 
وتزيد الديناميات الإقليمية من حدة الخطر. ففي الشرق الأوسط، تراقب الدول العربية وتركيا القدرة النووية غير المعلنة لإسرائيل، فيما تخشى الإمكانات الكامنة لإيران. وفي شرق آسيا، ترى اليابان وكوريا الجنوبية صعود الصين ونمو قوة كوريا الشمالية التي يصعب التنبؤ بسلوكها. وفي جنوب آسيا، لا تزال الهند وباكستان عالقتين في منافسة نووية تفتقر إلى ضوابط استقرار كافية. وفي كل حالة، فإن القدرة التكنولوجية موجودة بالفعل، الذي يتغير هو الحسابات السياسية.
كيف سيكون شكل عالم يضم عدداً أكبر بكثير من القوى النووية؟ للوهلة الأولى، سيكون مكاناً أكثر خطورة بكثير. فكثرة الأيدي التي تتحكّم في عدد أكبر من الأسلحة تزيد من مخاطر سوء التقدير، أو الحوادث، أو الاستخدام غير المصرح به. وسيتآكل استقرار الأزمات مع تداخل التنافسات الإقليمية مع التنافسات العالمية. كما سيصبح ضبط التسلح أكثر صعوبة على نحو متسارع مع زيادة الأعداد وتراجع الشفافية.
لكن الخطر الحقيقي قد يكون أكثر دقة. فالانتشار سيعيد تطبيع الأسلحة النووية مرة أخرى، ويجردها من الطابع الاستثنائي الذي ساعد على احتوائها. وقد تضعف المحرّمات المتعلقة باستخدامها، التي بُنيت بعناية على مدى عقود. والدرس الذي قد تستخلصه الدول سيكون واضحاً: في عالم مضطرب، الأمن المطلق لمن يمتلك السلاح الفتّاك.
إن تجنب هذا المسار سيتطلب دبلوماسية متجدّدة، وتحالفات موثوقة، واعترافاً رصيناً بأن منع الانتشار ليس أمراً قائماً بذاته. ومن دون إرادة سياسية مستدامة، قد تنهار الافتراضات التي أبقت النادي النووي محدوداً، تاركة الأجيال القادمة تواجه مخاطر أكبر بكثير مما كان يخشاه كينيدي، وبهوامش أضيق بكثير للخطأ في لحظات الأزمات.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال إنترست. 



إقرأ المزيد