جريدة الإتحاد - 2/23/2026 11:19:42 PM - GMT (+4 )
لم يعد استحضار إرث القادة المؤسسين فعلاً احتفالياً أو واجباً رمزياً عابراً، بل أصبح في الدول الراسخة خياراً استراتيجياً واعياً يدخل في صميم هندسة المستقبل وصناعة الاستقرار طويل المدى. فالدول التي تعي معنى التأسيس لا تستدعي مؤسسيها في المناسبات، بل في لحظات القرار، لا بوصفهم شخصيات تاريخية مضت، بل مرجعيات معيارية تُضبط بها الاتجاهات وتُقاس عليها التحولات. وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، أثناء اطلاعه على الاستراتيجية الجديدة لمكتب المؤسس، بأن الوفاء للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، لا يقتصر على استذكار منجزاته، بل يتمثل في استحضار إرثٍ متجذّر يعزّز الهوية الوطنية ويدعم القدرة على المضي بثبات نحو المستقبل، دلالةً تتجاوز الإطار التكريمي إلى وعيٍ قيادي بطبيعة إرث المؤسس بوصفه ركيزة استدامة ونهضة، وأداة توجيه في صياغة الخيارات الكبرى للدولة. فإرث المؤسس في التجارب الكبرى لا يُختزل في الذاكرة ولا يُحبس في الرمزية، بل يُدار كمرجعية وطنية حيّة وبوصلة استراتيجية بعيدة المدى، إطاراً ناظماً للرؤية، ومعياراً تُقاس عليه التحولات، ومرجعاً قيمياً يُحتكم إليه عند مفترقات القرار. إنه ليس مادة محفوظة في الأرشيف، بل بنية فكرية متجددة تمنح الحاضر عمقه، وتُكسب المسار الوطني استمرارية المعنى في مواجهة التحولات.
وحين يؤكد سموه أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان والداً رحيماً وقائداً حكيماً، وأن رصيد إنجازاته وفكره القيادي الملهم يجعله واحداً من أعظم القادة في التاريخ الحديث، وأن رؤاه ومبادئه ستظل من أهم المراجع لاستشراف المستقبل ومواجهة التحديات واقتناص الفرص، فإن هذا التوصيف لا يُستعاد كسردٍ لسيرة استثنائية، بل يُثبّت كمرجعية تأسيسية مستمرة تُبنى عليها الرؤى، وتُدار في إطارها التحولات، وتصاغ في ضوئها الخيارات الاستراتيجية داخلياً وخارجياً. فالقادة المؤسسون لا يغادرون مسار الدولة برحيلهم، بل يتحولون إلى طبقة عميقة من الوعي الوطني، وإلى ميزانٍ أخلاقي يضبط حركتها في لحظات الصعود والاختبار.
واستحضار الشيخ زايد، رحمه الله، لا يستعيد الماضي بقدر ما يعيد ترتيب الحاضر، ويمنح المستقبل وضوح الاتجاه في بيئة دولية تتبدّل فيها المعادلات وتتسارع فيها التحولات، وتتعاظم فيها تعقيدات القرار. ويمثّل اعتماد الاستراتيجية الجديدة لمكتب المؤسس انتقالاً نوعياً من منطق الذاكرة الساكنة إلى الذاكرة المنتجة للمعنى. فالتاريخ هنا يُوظَّف بوصفه مورداً سيادياً يعزّز الاستقرار، ويعمّق الثقة الوطنية، ويحصّن السردية الجامعة. وهكذا يغدو إرث الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، أحد أعمدة الهوية الإماراتية، ومصدراً متجدداً للقوة المعنوية، وركيزة لخطاب وطني يربط بين لحظة التأسيس وأفق المستقبل دون انقطاع.
فالدول الواعية لا تكتفي بتخليد مؤسسيها، بل تُعيد إدماج أفكارهم في بنيتها الفكرية والأخلاقية، لتتحول إلى رصيد تماسك داخلي وأداة توجيه مستمرة في إدارة التحولات، وصورة عالمية تعكس عمق التجربة وخصوصيتها الحضارية. ومن هذا المنطلق، تنظر الإمارات إلى إرث الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، بوصفه رأسمالاً معنوياً واستراتيجياً طويل المدى، يتجسّد في ترسيخ قيمه الإنسانية وتعميق الانتماء الوطني، وتعزيز نموذج تنموي إنساني متوازن بين الأصالة والانفتاح.
إن استحضار سيرة الشيخ زايد اليوم ليس عودةً إلى الماضي، بل تثبيت لاتجاه المستقبل، وترسيخ لثوابت المسار الوطني. وزايد لم يكن مرحلة تاريخية انقضت، بل منظومة قيم تأسيسية مستمرة تشكّل أحد أهم مصادر قوة الإمارات وثقتها بذاتها وموقعها في العالم.
*كاتب وباحث إماراتي
إقرأ المزيد


