جريدة الإتحاد - 2/23/2026 11:31:59 PM - GMT (+4 )
قبل أسابيع قليلة، فجّر الملياردير الأميركي أيلون ماسك موجةً واسعة من التفاعلات عبر فضاء «إكس»، عقب تدوينة شكّك من خلالها في الربط التقليدي بين الثراء الفاحش والاستقرار النفسي، وكتب يقول: «مَن اعتقد أن المال لا يجلب السعادة كان مُحقّاً تماماً»، ملحقاً عبارته بـ «إيموجي» حزين.
لم يكن ماسك - أغنى إنسان على كوكب الأرض، والذي تقترب ثروته من تريليون دولار- أول من صرّح بأن المال لا يُجلب السعادة، فقد سبقه إلى هذه الحقيقة كثيرون غيره ممّن عاشوا الحياة واختبروا معاناتها، رغم ما كان تحت أياديهم من متع الدنيا كأموال طائلة وممتلكات يسيل لها اللعاب.
لكن كلمات «ماسك» في زمن مواقع التواصل عبرت القارات والمحيطات، وتحولت إلى قضية رأي عام عالمي، محققةً أرقاماً قياسية في المشاهدات، ومثيرةً انقساماً حاداً بين مَنْ تفهّم عزلة الرجل، وبين مَنْ وجد في تصريحه مفارقة ساخرة بالنظر إلى حجم ممتلكاته التي تجاوزت كل التوقعات.
وتباينت التعليقات، إذ طالبه بعض المتابعين بأن يمنحهم نصيباً من أمواله ليختبروا بأنفسهم مرارة الثراء، متسائلين بتهكم: «ألا تكفي 850 مليار دولار لتحقيق السلام الداخلي؟!»، فيما علّق آخرون بقولهم: إن الرضا الحقيقي يكمن في إدراك قيمة الأثر الذي يتركه المرء بحياة الآخرين، مشدّدين على أن الروابط العاطفية المتينة والنجاح في بناء علاقات إنسانية جميلة هما الجوهر الحقيقي الذي يفتقر إليه المال.
ومنذ فجر التاريخ، شغل سؤال «ما هي السعادة؟» أكبر العقول عبر الحضارات، وقدّم لنا الفلاسفة والمفكرون إجابات مبدعة من واقع تجاربهم الثرية، وهمست لنا هذه الأصوات الحكيمة عبر القرون بأن مفتاح الطمأنينة ربما لا يكمن في الحصول على المزيد من الأشياء المادية، بل في الاحتياج إلى الأقل، وفي الانشغال بما هو جوهري حقاً: كالفضيلة، الصداقة، التأمل، وقيم البذل والعطاء.
وفي محيطنا العربي، لطالما روّجت الثقافة الشعبية لمعادلة تبدو بسيطة: المال يساوي السعادة، لكن الواقع، وشهادات التاريخ، يكشفان قصة أكثر تعقيداً وإثارة، فوراء حياة الرفاهية والشهرة التي يعيشها بعض أثرياء العالم ومشاهيره، قد تكمن معاناة عميقة مع الوحدة والفراغ، بل والصراعات النفسية التي لا يشفيها الذهب.
فالثراء الفاحش سلاح ذو حدين - خاصة عندما يقترن بالشهرة - وبينما يفتح الأبواب المادية، فإنه غالباً ما يُغلق باب العلاقات الصادقة، حيث يجد الكثير من المشاهير أنفسهم محاطين بطبقة من المتملقين، ويعانون من شكٍّ عميق في نوايا مَن حولهم، خوفاً من الاستغلال، هذه «العزلة في العلن» يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى وحدة قاسية تزيد من حدة أي مشاكل نفسية.
التاريخ مليء بأمثلة صارخة تُثبت أن المال لا يشتري السعادة، ولعلنا نذكر الممثلة الأميركية مارلين مونرو أيقونة الجمال والنجاح السينمائي العالمي، والتي ماتت في أغسطس 1962 عن عمر يناهز 36 عاماً، وفقاً لتقرير الطب الشرعي، حينها وُصفت الوفاة رسمياً بأنها «انتحار محتمل» ناتج عن تناول كميات كبيرة من الحبوب، بسبب «جرعة زائدة حادة من أدوية منومة».
استعادة قصة مونرو لا يهدف إلى إثارة الشفقة، بل إلى تقديم درس إنساني عميق، فهي تذكّرنا بأن السعادة حالة معقّدة، لا يمكن تعبئتها بسلع مادية أو قياسها بعدد الأصفار في الحساب البنكي، أو حجم الشهرة، لكن الثراء الحقيقي قد يكمن في أشياء بسيطة، لكنّها عصيّة على الشراء: في مقدمتها الدفء الأسري وعلاقات اجتماعية ذات معنى، صحة نفسية جيدة، وقت للراحة والتفكير، وشعور حقيقي بالهدف يتجاوز الذات.
وفي أجواء روحانية شهر رمضان، إذا بحثنا عن معنى السعادة بمنظور الإسلام، يلفت انتباهنا أن ديننا الحنيف لا ينكر أهمية سعة العيش في جلب السعادة، وقد تناولت كثير من النصوص هذه الحقيقة منها: قال الله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] وقال صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَ المال الصالح للعبد الصالح)، غير أن هذا الثراء ليس شرطاً لازماً في تحقيق السعادة، وإنما هو من جملة الوسائل المؤدية إليها.
ومن الحكم البليغة التي تُنسب للإمام علي بن أبي طالب (القناعة كنز لا يفنى)، فهي أثمن كنوز الدنيا، وتجعل الإنسان أغنى الناس وأكثرهم طمأنينة، وتعني أن الرضا بما قسمه الله والتعفف عما في أيدي الناس يورث غنى النفس، ويحقق السعادة، وراحة البال الدائمة التي لا تزول.
إقرأ المزيد


