اليسار في الخليج العربي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ميعة الصبا وعنفوان الشباب نهاية الثمانينيات الميلادية أرسل شابٌ لأبيه رسالةً يخبره فيها بأنه سيتوجه لأرض الجهاد الأفغاني طالباً الشهادة، وأن موعد اللقاء مع والده وعائلته سيكون في «الفراديس» العلا من الجنة، وبعدما لم يفلح مخطط الشاب الصغير في مبتغاه، عاد لوالده الظريف الذي احتواه مجدداً، ولكنه بات يعيره بـ «الفراديس».
تذكرت هذه القصة اللطيفة وأنا أتصفح كتاباً قديماً يحمل اسم «التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج العربي» كتبه ناشطٌ يساريٌ معروفٌ ينتمي للمذهب الشيعي الكريم، وكتابه هو محاولة لكتابة تاريخ الحركات اليسارية في «الجزيرة» والخليج العربي كما هو واضح من عنوان الكتاب، والدار الناشرة للكتاب اسمها «فراديس».
طبع هذا الكتاب باعتباره جزءاً من «سلسلة تاريخ الجزيرة العربية» وهو كتابٌ مهمٌ لأنه يسعى لتأريخ ما لم يؤرخ من تاريخ هذه التنظيمات ومثيلاتها في دول الخليج العربي، وكتب بقلم منتمٍ لها ومنخرطٍ في خطابها وموالٍ لأيديولوجيتها، ما يمنح مصداقيةً للكلام المكتوب، ويعطي فرصةً لأي باحثٍ جادٍ للقراءة والتحليل لهذه الحركات وخطاباتها وأيديولوجيتها بلسان ناطقٍ باسمها مقتنعٍ بطروحاتها وأهدافها وغاياتها.
هذا السياق يسلط الضوء على نقاطٍ تستحق القراءة والتأمل، أولاها، أنه يتحدث عن «تنظيمات» وليس عن «تياراتٍ» أو «جماعاتٍ» أو «حركاتٍ» فهو بالتالي يتحدث عن وجود «التنظيمات» لا عن مجرد كونها تياراً عاماً أو جماعاتٍ متفرقةٍ أو حركاتٍ سياسيةٍ فحسب، وهو صادق في تعبيره هذا ودلالته، فقد شهدت دول الخليج العربي تنظيماتٍ يسارية مع اختلافاتٍ زمانية ومكانية في الوجود والتأثير ضمن تاريخ معينٍ في بلدٍ معينٍ.
والثانية، هي تسمية السعودية ودول الخليج بـ «الجزيرة العربية» مع الاعتراف بأن تسمية الجزيرة العربية أو شبه الجزيرة العربية تسميةٌ علميةٌ حين يتم تناول تاريخ المنطقة القديم علمياً أو ضمن مناهج تاريخيةٍ أو أنثروبولوجيةٍ بمنهج العلم وغاية التعلّم، ولكنه هنا يؤكد استخدامه «يسارياً» للتعبير عن رفضٍ سياسيٍ واضحٍ للدولة الحديثة في الخليج.
هذا توجهٌ أيديولوجي وسياسي كان له ما بعده، بمعنى أنه بات من المعروف اليوم أن حركات الإسلام السياسي منذ نشأتها قد تأثرت بالحركات القومية المتطرفة في أوروبا كالنازية والفاشية، غير أن تأثرها الأكبر جاء من حركات اليسار العالمية إن في بناء الأيديولوجيا أو في بناء المفاهيم أو في خلق التنظيمات، ولئن كانت «فراديس» اليسار في الأرض فكم كان سهلاً على الحركات الأصولية نقلها إلى السماء.
والثالثة، هي أن جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات العنف الديني، قد اعتمدت تسمية الجزيرة العربية شعاراً مستقراً لها لتأكيد رفض الدولة الحديثة في الخليج العربي، ومن ذلك أن من كانوا يعرفون بـ«المجاهدين الأفغان» ما كانوا ينتسبون لدولهم، بل كانوا يتسمون بـ «الجزري» أو «الجزيري» أو «الجزراوي» لمن كان منهم سعودياً أو خليجياً، على الرغم من الفروق الواضحة لغوياً بين هذه التسميات إلا أنها تحقق المعنى المراد وهو رفض تسميات دول الخليج العربي الحديثة.
وقل مثل هذا في «كاسيتات» الصحوة الإسلامية إبان نشاطها الكبير بداية التسعينيات الميلادية، حيث أصبحت تسمية «الجزيرة العربية» شعاراً لا تخطئه العين في المنشورات والكتيبات «الصحوية». 
أخيراً، فالمثير للدهشة تاريخياً هو أنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بدأ صعودٌ لليسار في أوروبا وأميركا، في المؤسسات المدنية والحكومية على حدٍ سواء، وسيطرة اليسار الليبرالي على الجامعات والأكاديميات، وعلى الفنون الدرامية في المسارح وهوليوود وصولاً لتبنّي جناحٍ كبيرٍ ومهمٍ من الحزب «الديمقراطي» الأميركي لأطروحات اليسار الليبرالي مع رئيسين «ديمقراطيين».
*كاتب سعودي



إقرأ المزيد